روابط للدخول

انتشر عنوان "منظمات المجتمع المدني" في العراق بشكل واسع بعد نيسان عام 2003. فقد تشكلت وانتشرت منظمات وجمعيات وجدت دعما ماديا كبيرا قدمته دولٌ ومؤسساتٌ عالمية، ضمن ادراكها لأهمية دور المجتمع المدني في تقديم الخدمة، والوصول الى شرائح مختلفة من الناس، عقب تغيير نظام مركزي شمولي صارم.

لكن المتابعَ يخلصُ الى حقيقة صادمة، وهي أن قلةً قليلة من الاعداد الكبيرة لهذه المنظمات قدمت خدمات حقيقية، وأنجزت بعضا من شعاراتها ووعودها، وحاولت ان تثبت صدقية للجهات الممولة بحسن نية كبيرة، لذا إتُهمَ العديدُ منها بالادعاء والتزييف والاحتيال.

وبرغم ذلك فهناك عدد من المنظمات التي واصلت جهودها لتقديم خدمات نوعية لقطاعات وشرائح مختلفة من المواطنين، ونشرت مفاهيم سامية تستند على مبادئ التكافل الاجتماعي وروح المواطنة والإنسانية، ومنها جمعية التعاون الخيرية التي تأسست في بغداد عام 2004 .

تعالوا نبني سقفا لمحتاج

مسؤول الجمعية زيد زاهد يقول ان المنظمة نجحت في تنويع خدماتها بين التدريسية، والطبية، والعون المادي والمالي للمحتاجين، فضلا عن تشكيل فريق (بُناة العراق IRAQ Builders) وهو رائد وغير مسبوق في العراق، ويتكون من متطوعين من فئات اجتماعية عراقية مختلفة. ففيهم أطباء ومدرسون جامعيون وموظفون وعمال، وطلبة، وتجار وشباب وفتيات لا يجمعهم ببعض سوى نبل الفكرة، وإنسانية القصد. يقومون تطوعا ببناء بيوت للفقراء، او ترميم سقوف متهالكة، وبذل الجهد لتأمين معيشة العائلات المعدمة، التي لم تجد من يحل مشاكلها في أروقة دوائر الدولة ومؤسساتها.

يأخذنا الحوار مع زاهد الى صيغة عمل الجمعية، الذي ينم عن دقة وشفافية عالية تتيح للمتبرع، أو أي مراقب الاطلاع على حسابات الجمعية ومواردها المالية، وابواب صرفها من خلال نظام محاسبي دقيق، استفاد من تجارب ناجحة في بعض البلدان ومنها مبرّات الخير في لبنان، وكسب ثقة الداعمين والمتبرعين او المشاركين طوعا بجهودهم الإنسانية.

ويقول مسؤول الجمعية زيد زاهد انها نجحت بالترفع عن العناوين الدينية والقومية او المذهبية، وحققت نجاحات، ونفذت مشاريع، وقدمت دعما لمواطنين من مختلف الانتماءات والتسميات الفئوية، دينية او قومية او مذهبية، لاثبات حياديتها وموضوعيتها في تقديم الخدمة والعون دون اعتبار لهوية المستفيد وانتسابه.

ويخبرنا حسنين محمد، وهو تدريسي في كلية العلوم بجامعة بغداد، ومتطوع مع فريق بناة العراق، أن جميع أعضاء الفريق من طلبة وموظفين وكسبة، نساءً ورجالا، من اتجاهات فكرية ودينية مختلفة، يجمعهم هدف إنساني نبيل وهو خدمة الاخرين، خصوصا الايتام والفقراء، ويهمس بأن "بعضنا احيانا يتبرع بالمال لإنجاح مشاريع مساعدة الفقراء، فضلا عن تطوعه للعمل في تلك المشاريع".

ويكشف حسنين عن أسلوب الوصول الى العائلات الفقيرة والمحتاجة للدعم، وكيف وظف الفريق صفحته الخاصة على فيسبوك لتنظيم جهوده، وتنسيق حملاته المتنوعة.

تدريس مجاني وعون صحي وبناء

واجرى البرنامج ايضا لقاءً مع احمد الغراوي احد المتطوعين في فريق "بناة العراق"، وهو تاجر ملابس من بغداد، اخبرنا كيف اكتشف الجمعية وفريق البناة من خلال صفحات فيسبوك، وشارك الفريق في احد أيام الجمعه في بناء سقفٍ لعائلة فقيرة في اليوسفية، يتذكر يومها ان احد العاملين معه في البناء كان طبيبا، وان أستاذة جامعية شابة كانت مهمتها نقل "البلوك" بينما توزع زملاؤه المتطوعون الاخرون بقيادة "خلفة" شاب، قاد عملية البناء، لينجزوها نهاية النهار، وليجلسوا حينها يلاعبوا اطفال العائلة الفقيرة السعداء بحصولهم على سقف يقيهم قسوة الطبيعة، بعد فشل الدولة في إيجاد حل لمعاناة الالاف من امثالهم.

الغراوي قال ان حياته تبدلت منذ ان تعرف على هذا الفريق، وتعلم كيف يكتسب فرحا مضافا، وشعورا بالرضا والسعادة كلما قدم عونا الى محتاج، وأسعد انسانا او عائلة، وخصص أيام الجمعة تلبية لنداء الجمعية لتقديم المساعدة لأحدى العائلات المحتاجة. وكشف الغراوي عن ان بعض أبناء تلك العائلات تحولوا فيما بعد الى متطوعين ناشطين في فريق "بناة العراق".

لعل أمثال هذه الجمعية تغيّر احكاماً قاسية تسببت بها بعض التجارب الفاشلة في أداء منظمات المجتمع المدني، خصوصا إذا ما تابعنا تفاصيل النجاحات التي حققتها المدرسة التي أسستها الجمعية، وشيدت بناية خاصة بها في بغداد، وتضم حاليا نحو 170 يتيما، وحصدت تميزا في مستوى خريجيها التعليمي منذ سنوات، إذ درجت على استضافة التلاميذ الايتام والنازحين، وآخرين من العائلات الميسورة التي تدفع المال مقابل تدريس أبنائها، ليجري استثماره في المشاريع الخيرية الكثيرة، التي تضطلع بها الجمعية.

وتطرق الحوار أيضا الى نوع العلاقة والتنسيق والتعاون ـ إن وجد ـ بين دوائر الدولة المعنية في المجالات التي تتحرك فيها منظمات المجتمع المدني، ومنها جمعية التعاون الخيرية.

XS
SM
MD
LG