روابط للدخول

ضحايا الإرهاب بالأمس...ضحايا الإهمال اليوم


ما تبقى من قرية الشوافع

ما تبقى من قرية الشوافع

استبشر مراقبون ومواطنون خيرا بخبر انسحاب القوات الأميركية نهاية هذا العام، الذي يترافق مع تأكيدات الجهات الأمنية العراقية قدرتها على ادارة الملف الأمني. وان هذا الانسحاب هو دليل على عودة الأمن والاستقرار.

وكان ملف الإرهاب، ومحاربة الجماعات المسلحة، من اهم الملفات التي سخرت الحكومة مواردها وإمكانياتها لمتابعته، ومحاولة غلقه بأسرع وقت، لتتفرغ لمتابعة ملفات اخرى مهمة مثل الخدمات، والبناء، والأعمار.

وخلف الإرهاب دمارا وقتلا، وزرع الرعب في نفوس الناس. وبعد عمليات عسكرية وأمنية تمكنت الأسر من العودة إلى مناطق سكناها التي هجرتها لتجد إن الإرهاب والعمليات العسكرية كانت السبب في دمار أملاكها وقراها، وكانت وعود الحكومة بتعويضهم ودعهم وتوفير الأمن في مناطقهم من أهم الاسباب التي شجعت تلك الأسر على العودة.

لكن محنة الأسر العائدة إلى مناطقها لم تنته، لانها اصطدمت بواقع مرير، هو إنها بعد أن كانت في الأمس ضحية الإرهاب، أصبحت اليوم ضحية الإهمال، وعدم وفاء الحكومة بوعودها.

الأمثلة كثيرة، وفي أكثر من مكان، على معاناة الأسر العائدة. مراسل إذاعة العراق الحر في بابل علاء رزاق يأخذنا الى قرية الشوافع التابعة لناحية الاسكندرية (50 كلم) شمال محافظة بابل، حيث التقى بعدد من الأسر التي أكدت إنها كانت ضحية الإرهاب واليوم اصبحت ضحية الإهمال.

فمن جهة ما زال تنظيم القاعدة موجودا في المنطقة وعلى بعد كيلومترات من القرية، وبعلم الجهات الأمنية، التي لم تحرك ساكنا لنجدة هؤلاء المواطنين، ومن جهة أخرى نكثت السلطات بوعود تعويضهم عن دورهم وممتلكاتهم التي دمرت، وتوفير الحماية الأمنية لهم، وأكدت الأسر إنها عادت بناءا على وعود بالتعويض وتوفير الأمن.

وقالت حمدة حسين عودة ان الارهابيين قتلوا 3 من أبنائها ودمروا منزلها، وأجبرت على حمل السلاح كل مساء لحماية عائلتها وبيتها. حمدة تساءلت: أين وعود الحكومة في التعويض والدعم؟:

"هاجم الإرهابيون منطقتنا وقتلوا ثلاثة من ابنائي ودمروا منزلي وخسرنا كل شيء ونطلب من الحكومة أن تعوضنا. لا توجد مدرسة في القرية ونضطر الى أخذ أطفالنا إلى الإسكندرية. الوضع خطر الآن وهناك حالات خطف والإرهاب عادت من جديد، وتنظيم القاعدة موجود الان في منطقة البحيرات (10 كلم) عن قرية الشوافع، ويهاجمونا ليلا. رأيت بعيني إرهابيين يقتلون رجال القرية. نريد التعويض وان تهتم الحكومة بنا، لا نملك أي شيء الا رحمة الله، لم نحصل على أي رواتب والمالكي لم يعوضنا".

علاء حسين الشافعي عائد يقول انه اضطر ايضا لحمل السلاح للدفاع عن نفسه وعن عائلته، وابدى إستغرابه من عدم قدرة وزارة الداخلية والدفاع على السيطرة على منطقة البحيرات ودحر الإرهاب:
"مازال الإرهابيون من تنظيم القاعدة في منطقة البحيرات ومنذ عام 2005. ازداد نشاطهم خلال هذه الفترة. نطالب الحكومة بحمايتنا. القاعدة تنشط من جديد وازدادت حالات تفخيخ السيارات وزرع العبوات وكثرت جرائم القتل، الوضع خطر جدا واضطر ان احمل السلاح مساءا لحماية منزلي وعائلتي. القاعدة لازالت موجودة في منطقة البحيرات. واستغرب عدم قدرة الحكومة في السيطرة على هذه المنطقة، لا استطيع فهم هذا؟ اين الحكومة واين القوات الامنية؟ ما هي الصعوبة في القضاء على الإرهابيين في هذه المنطقة؟"

وتحدثت إحدى الارامل وهي أم لخمسة ايتام عن حادث قتل الإرهابيين زوجها صلاح حسين حمزة، وعن الظروف الصعبة التي تمر بها لرعاية الاطفال وعن عدم حصولها على أي دعم وتعويض: "عدنا إلى منطقتنا انا وزوجي وعندما دخلنا البيت وجدنا عددا من الإرهابيين مختبئين في الداخل. تمكنت من الفرار ولكن الإرهابيين القوا القبض على زوجي وقتلوه في الحال. تمكنا من دفن الجثة بعد 11 يوما بسبب وجود الإرهابيين، وعاد الامان بعض الشيء بعد تدخل القوات الأميركية. أطالب الحكومة بالتعويض، عندي خمسة أيتام وانا بدون عمل، وليس عندي راتب الرعاية مع العلم اني سجلت اسمي في دائرة الرعاية الاجتماعية للحصول على الراتب ولكن دون جدوى. لم احصل على أي تعويض منذ عام 2006 ولحد الآن. أسكن مع أطفالي في غرفتين. اطالب الحكومة براتب تقاعدي وتعويضي مادي عن المنزل الذي دمره الإرهاب حتى أتمكن من بناء بيت جديد. نحن نخاف من تنظيم القاعدة وهو قريب منا، وموجود في منطقة البحيرات. اضطر إلى حمل السلاح كل مساء لحماية أطفالي".

الشيخ ياسين الشافعي قال ان العديد من الأسر اضطرت إلى ترك أبنائها في مناطق أكثر أمنا. ووصف الوضع بالخطر جدا، وشكا من قلة وجود القوات الأمنية: "هناك أسر عديد تركت القرية هربا من الإرهاب ولم تعد لحد الآن خوفا من تنظيم القاعدة الموجود لحد الان في منطفة البحيرات. اضطرت الكثير من الأسر الى ترك اطفالها في مدن أخرى أكثر أمنا وتوقف الطلاب عن زيارة أهاليهم في القرية خوفا من الإرهاب. الوضع خطر جدا ووجود القوات الأمنية قليل وغير كاف. الآن هناك وجود امني بسبب زيارتكم (زار مراسل الإذاعة علاء رزاق وعدد محدود من الصحفيين قرية الشوافع ترافقهم قوة امنية) لكن ستهاجم القاعدة القرية حال مغادرتكم. اعتبر ان القرية ستتعرض الى الهجوم حال ان يتحدث الاعلام عن قريتنا. دمر الإرهاب القرية وهدم المنازل ولم نحصل على أي تعويض. فقط قامت منظمة انسانية بتوفير سكن مؤقت لبعض العوائل".

مخلف علي أشار إلى عدم وفاء الحكومة بوعودها. وذكر ان الدعم والمساعدة اقتصر على ما تقدمه به منظمات انسانية: "هُجرت من قريتي ودُمر منزلي، بعد ان عدت الى القرية اضطررت ان ابني غرفة لي ولعائلتي. الرزق على الله واعمل في الفلاحة والدولة لم تعوضنا عن البيوت والممتلكات والحيوانات التي خسرتها. هناك منظمات إنسانية بدأت بدعم الأسر وبناء مساكن بسيطة لها، لكننا لحد الآن لم نحصل على أي مساعدة. انا متزوج وعندي طفلين. اطلب منكم المساعدة وتسليط الضوء على هذه المشكلة."

الشيخ كمال الجميلي تحدث عن سبب اهتمام تنظيم القاعدة بهذه المنطقة وذكر ان تنظيم القاعدة كان يعتزم إقامة ما يعرف بدولة العراق الإسلامية في شمال بابل: "تعتبر منطقة الإسكندرية منطقة مهمة وإستراتيجية لتنظيم القاعدة الإرهابي لأنها تفصل الشمال عن الجنوب. وكانت خطة القاعدة ان تبني دولتها الإسلامية في هذه المنطقة. قرية الشوافع في السابق كانت مزدهرة وفيها حوالي 45 بيتا، ولكن بسبب الإرهاب هربت الأسر من القرية والان انت ترى ماذا حل بالقرية، التي أصبحت عبارة عن خراب والقرية وحال الأسر يرثى لهم ونطالب الحكومة ان تنظر لهم بعين العطف."

مختار قرية الشوافع فاضل محمد حمزة تحدث عن نشاط تنظيم القاعدة في منطقة البحيرات شمال بابل قائلا ان القاعدة هي السبب في ارتفاع جرائم العبوات الناسفة وقتل رجال الامن. وشكا فاضل من البيروقراطية والتأخر في انجاز معاملات التعويض التي قدمتها الأسر المتضررة منذ أكثر من 3 سنوات: "معظم الأسر التي هربت من القرية بسبب الإرهاب ذهبت الى محافظة كربلاء وبقت هناك. اما سبب عودة بعض الأسر الى القرية هو عدم تمكنها من دفع الايجار وغلاء المعيشة في المدينة. واجهتنا مشاكل ومصاعب عدة في مساعدة أبناء القرية مثل عودة الموظفين وقبول الطلبة في محافظات أخرى. مازال تنظيم القاعدة موجودا في المنطقة وشاهدنا علم التنظيم الأسود اكثر من مرة يرفع على عدد من الأبنية وهذا هو تحذير لاهالي المنطقة. منطقة البحيرات هي معقل تنظيم القاعدة ولم تحرر لحد الان، أي شخص يذهب الى البحيرات يقتل في الحال. القاعدة موجودة وهي السبب في حالات العبوات الناسفة وقتل رجال الامن والجيش. للقاعدة معسكرات خاصة بها في منطقة البحيرات. نطالب المالكي والحكومة بان تساعدنا وتعوضنا..والله والله خسرنا كل شيء. أكثر من ثلاث سنوات قدمنا على معاملات التعويض ولم نقبض أي شيء لحد الان."

الى ذلك أكد مسؤولون محليون، وقادة أمنيون ارتفاع مستوى الجريمة، وزيادة نشاط التنظيمات الإرهابية شمال محافظة بابل. وأشار البعض الى ان الخلافات والصراعات السياسية كانت من بين الأسباب التي ادت الى تدهور الامن في المنطقة.

وأقر مدير شرطة محافظة بابل اللواء فاضل ردّاد بزيادة نشاط تنظيم القاعدة، موضحا ان شمال بابل وخاصة مناطق جرف الصخر، والإسكندرية، وجبلة، ذات مساحة جغرافية كبيرة، ونهايات سائبة، وتحتاج الى قوة إضافية لحمايتها.

ولخص عضو مجلس النواب علي شبر (التحالف الوطني) ان من أسباب تفشي الإرهاب هو عدم تعيين وزير للداخلية والدفاع وضعف أداء الوزارتين ووجود خروقات أمنية. وذكر شبر إن تنظيم القاعدة يحاول السيطرة على منطقة شمال بابل لموقعها الاستراتيجي باعتبارها منطقة صحراوية شاسعة، يصعب السيطرة عليها، وكذلك تشكل الفاصل بين العاصمة ومحافظات الجنوب.

ضحايا الإرهاب بالأمس...ضحايا الإهمال اليوم
XS
SM
MD
LG