روابط للدخول

شارع الرشيد لمدينة الرشيد


جانب من الشارع الرشيد في سنة 1958

جانب من الشارع الرشيد في سنة 1958

( لكل مدينة كبرى شارعها الرئيسي . و مدينة بغداد اعتزت بشارع الرشيد الذي ضم في طياته جل فصول تاريخ العراق الحديث و شهد اهم احداثه السياسية و الاجتماعية)

كانت مدينة بغداد شلة من الدرابين الازقة و الاسواق الشعبية بدون اي شارع رئيسي فيها. و لكن الوالي و القائد العثماني خليل باشا شعر بضرورة وجود شارع واسع فيها فأمر بشق هذا الشارع الذي سمي بأسمه خليل باشا جادة سي بحيث يمتد من باب المعظم الذي كان يعرف بأسم باب السلطان الى الباب الشرقي الذي كان يعرف باسم باب كلواذا. بيد ان الحرب العظمى قطعت مشروعه فلم يكتمل . وقدر للانجليز ان يكملوا المشروع . و بقيام الحكم الوطني اطلق عليه اسم شارع الرشيد تيمنا بذكرى الخليفة هرون الرشيد.

بقي هذا الشارع حتى اواسط الثلاثينات الشريان الوحيد لحركة النقل في بغداد. كانت تمر منه مواكب الاعراس و تشيع الجنازات و تجري الاحتفالات و تقوم المظاهرات. و بعد انتقال الملك من شريعة الميدان الى قصر الزهور في الحارثية، اقتضي على الملك ان ينتقل يوميا ذهابا و ايابا من الحارثية في جانب الكرخ الى محلة نجيب باشا في جانب الرصافة على طريق الامام الاعظم. و كانت مسافة تزيد على عشرة اميال . وهو لأمر عجيب. لا ادري لماذا جعلوا مكتب الملك في طرف من المدينة و مسكنه في الطرف الآخر بحيث يضيع كل يوم ساعتين او ثلاث في تنقله بين بيته و مكتبه.

ربما ليعرف الشعب بوجوده. كنا لا نسمع صوت المتورسكلات الى و نسرع الى الرصيف لنؤدي التحية للملك.

كان الأمر ميسورا و هينا في الثلاثينات ، و لكن بازدياد عدد السيارات و المركبات و الباصات و تعاظم حركة النقل اصبح المرور صعبا في هذا الشارع ، ولاسيما عند ابتداء الدوام في الدوائر. و عانى من ذلك جلالة الملك نفسه . اضطروا الى قطع الشارع عند اقتراب موعد مروره و لكن ذلك اثار حفيظة اصحاب المصالح و الموظفين و كل من اقتضى عليه المرور لأعمالهم اليومية. نقلوا شكوى الجمهور للملك و الوصي عبد الاله فجرى اجتماع في البلاط لبحث الموضوع اسفر عن اعادة تخطيط السفر اليومي لمرورالموكب الملكي بحيث يتحاشى دخول شارع الرشيد. و لما كان الجسر الحديدي قد اكتمل بناؤه في الصرافية فقد تقرر مرور الملك من غربي بغداد عبر محلة الدوريين ثم فوق الجسر الحديدي فالى شارع الامام الاعظم. وهو ما تم بالضبط.

كانت منطقة الدوريين من المناطق المتخلفة و الفقيرة في بغداد. و يظهر ان سكانها قد فوجئوا بمرور الملك من امامهم. كل هذه الموطورسكلات و سيارات المرافقين و سيارة الملك الرولز رويز تمر بين بيوتهم. كانوا يقفون و يؤدون التحية، و لربما سمع جلالة الملك فيصل الثاني امرأة تهلهل له عند مروره و يصفق له اولاد المدرسة .بيد ان واحدا منهم خطرت له فكرة اخرى للترحيب بالملك ، ربما لمداعبة صاحب الجلالة. كان يوم 15 شعبان قد حل ، وهو يوم المحية التي يحتفل بها العراقيون بالالعاب النارية ، الطرقات و بصورة خاصة بالبوتازات. خطر لصبي وهو يرى سيارة المك تمر من امامه بأن يرمي ببتازة امامها و انفجرت بدوي كبير افزع الملك و مرافقيه و حرسه . تصوروا جميعا انها كانت محاولة ارهابية لنسف السيارة الملكية و قتل الملك. استمر الموكب في طريقه و لكن الشرطة اسرعت للقبض على الصبي الصغير و اقتياده الى مركز شرطة الكرخ للتحقيق معه، و بصورة خاصة ليتبينوا فيما اذا كان احد قد اوعز له بهذا العمل.
ما ان وصل الملك فيصل الى مكتبه حتى فتح مكالمة مع مركز الشرطة يسألهم عما جرى. و عندما اعلموه بقصة الصبي، طلب اعطاءه السماعة ليكلمه. اعتذر له الصبي وهو يبكي اعتذارا عما فعل و قال انه لم يقصد غير مداعبة جلالة الملك في احتفالات هذا اليوم المجيد ، يوم المحية ، الذي اعتاد الشبيبة و الصبيان و الاطفال على الاحتفال به بمداعبة بعضهم البعض بالبوتازات و الطرقات و عين الشمس و نحو ذلك.
امر الملك بأطلاق سراح ذلك الصبي فورا و اعادته الى اهله . الحقيقة ان فيصل الثاني نفسه لم يكبر عن ذلك الصبي بالكثير. كان صبيا بنفسه. و لا اشك في انه حالما اغلق المكالمة التلفونية ، جلس في مكتبه و قال لنفسه ، آه يا ليتني كنت مثله، صبي اتجول في الطريق و اضرب طرقات. رحمك الله يا ابني غازي و ابن الهواشم.


مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.

XS
SM
MD
LG