روابط للدخول

يقولون في العراق لولا وجود هالنفر الصالحين لكان قلبها. ينطبق هذا القول على ما سمعته من صديقي الأستاذ قصي القاضي، المحامي و المستشار القانوني. التقيت به في لندن مؤخرا فحكى لي هذه الحكاية الطريفة و البليغة.

في هذه الأيام التي اختل فيها النظام و الأمن في العراق ، و كثرت السرقات و ضاعت الأمانة بين الناس، و هذا كله من تركة صدام حسين ، اقول ، في هذه الأيام المضطربة، خطر له أن يستغل مزرعته بتربية قطيع من الغنم فيها و يستفيد من أسعار الغنم و اللحم في الأسواق. ابتاع نحو مائة و عشرين خروفا و نعجة و جاء بواحد راع ليرعى بها و يسهر على شؤونها. و جرى الأتفاق التقليدي بأن يكون للراعي نصف كل طلي تلده النعاج و النصف الآخر يكون لمالك النعجة و الخروف. يحسبون في نهاية الموسم كم ولدت النعجات من طليان و يتقاسمونها ، نص بنص.

مضى العمل ببركة الله و كل شيء على ما يرام. و لكن الغنمات التي جاء بها اخونا قصي القاضي كانت حديثة العهد في مزرعته. ربما وجدت ان هذه المزرعة مزرعة افندية و مزرعة رجل يؤمن بالحرية و الديمقراطية .و مثلما يؤمن بحقوق الأنسان يؤمن بحقوق الخرفان. فأرادت ان تستعمل حريتها في الحركة . ولا سيما أن السفر و الأنتقال في العراق لا يحتاج في هذه الأيام الى بسبورت أو فيزة. ربما فكرت هذه الخرفان بالهجرة و طلب اللجوء السياسي في اوربا.

و هكذا خرج عدد من هذه الخرفان من مزرعة اخينا الأستاذ قصي و راحت تتنقل من مزرعة الى مزرعة و من ديرة الى ديرة ، لا احد يسألها عن هويتها او يفتش صوفها او ينظر تحت اليتها فيما اذا كانت تحمل أي قنابل او تنوي القيام بأي عملية انتحارية. و عندما حل المساء و خرج الراعي لتجميع قطيعه ، وجد ا منهلفقط مازال ضائعا.

سمعت الى كل ذلك فقلت الى صديقي قصي، اووووه ، هذا لازم الراعي استغل الفرصة وذبح هذا الخروف و اكله هو وعائلته. فدوة لك. اعتبرها صدقة في هالأيام السودة و الناس جايعة. و هذا عقاب للخروف اللي انهزم. خلي يكون عبرة لأصحابه. اللي ينهزم ينذبح.

هز الأستاذ قصي رأسه بالنفي وقال لا . الرعاة ما يخونون الأمانة. ما ياكلون خروف في عهدتهم. ثم مضى فقال . مرت عدة اسابيع على تلك الأنتفاضة الثورية من الخرفان ، و اذا به يرى رجلا اعرابيا بسيطا يلوح من طرف المزرعة. يدخل وهو يقود خروفا امامه. تقدم به حتى وصلني . سلم علينا و قال يا محفوظ هذا الخروف مالكم او مو مالكم؟ قولوا الصدق و ريحوني. ثلثة اشهر و انا دايخ بيه. شفته بالطريق حاير و ما يدري وين يولي وين يروح ، وين اهله. عرفت هذا طلي وكيح و طلع من ديرته و ضاع. ثلاثة اشهر و انا ادور بيه على راعيه. أسأل الرايح و الجاي على اهله. و كلهم يقولون لا خير. هذا مو خروفنا. حرام علينا وفوق راسنا الله سبحانه و تعالى. قلت آخذه للشرطة لكن قلت يمكن الشرطة يذبحوه و ياكلوه. لأن شرطتنا ايضا بهالأيام قاتلهم الجوع. بعدين واحد ابن حلال قال لي روح على مزرعة بيت القاضي. و انشد هناك. يمكن هذا غنمتهم. و دلوني على طريقكم و هاي اللي تشوفوني قدامكم . بس بيني و بينكم الله . شوفوه و عاينوه زين. اذا هذا خروفكم اخذوه مني و خلصوني . و الله تعبني هالحيوان هذا.

تقدم الراعي وكيل الأستاذ قصي و بنظرة واحدة رأى العلامة المصبوغة باللون الأزرق على ظهر الخروف و ادرك فورا انه الخروف الضائع.

سألت صديقي قصي ، ارجو ان تكونوا قد كافأتم هذا الرجل على امانته و على تعبه. قال لا. العربان يعتبرون ذلك عيبا ، أن يستلم الأنسان اجرة على امانته. و لكن الوقت كان قد حان لموعد الغداء فدعوه ليأكل معهم و يتحفهم بحكاياته.

اثارت الحكاية في نفسي هذا السوآل لماذا نجد الأمانة و الصدق بين ضعاف الناس ، المحرومين و المعوزين و المسحوقين؟ و نجد ، او فالأقل كثيرا ما نجد النصب و الكذب والأحتيال بين دهاقنة المال و الأعمال؟ هل إن الفقر يوحي للفقير بالأمانة ام إن الأمانة هي التي تجعل المرء فقيرا؟ لا ادري . و لكنها حكاية تذكرنا بأنه مهما سا ءت الأحوال و ضاع الأمن بين الناس، فما زال هناك بيننا اخيار يحملون لنا نبراس الصدق و الأخلاص و مخافة الله و ينيرون لنا طريقا افضل و اشرف نحو المستقبل
XS
SM
MD
LG