روابط للدخول

المعروف عن شارع الرشيد، انه مركز الاعمال و الاسواق و المخازن الكبرى للعاصمة العراقية . و لكنه احتل ايضا مكانة خاصة في قلوب الشباب و الصبيان من اهل بغداد




في هذه الأيام يشكو العراقيون من انقطاع الكهرباء لما يسبب ذلك من غياب الخدمات ، توقف الثلاجة و المكيفات و المراوح و نحو ذلك من الضروريات. و لكن في ايام صباي كننا نتعامل مع الكهرباء كنكتة ومتعة نلهو بها . كان السير في شارع الرشيد من متع الصبيان الأساسية و كنا نتوجها اعتياديا بالوقوف عند رأس جسر الملك فيصل و امام بناية حافظ القاضي. على قمة هذه البناية وضعت شركة السيارات الأمريكية اعلانا ضخما من النيون بأسماء سياراتها الشهيرة : لنكولن – فورد – مركري. و كان الجمهور يقرأون هذه الكلمات الأجنبية بشتى الصور ويصيغون منها مختلف العبارات البليغة و غير البليغة. كنا احيانا نقرأها فنقول، " لنكونن ورد و كركري". و نستغرق في الضحك. نقرأها مرة اخرى فنقول ، " لن نكون فرد مكركري" فنرقص و ننط في اماكننا جذلا. و احيانا كنا نحولها الى عبارات سوقية شنيعة يأبي محرر هذه الصحيفة ان يسمح لي بها. و كنا في كل الأحوال نهتاج ونغص بالضحك و نهتز و نتقافر على الرصيف. نتحاضن و كأننا في كوميديا من كوميديات شكسبير.
المهم في هذه الكلمات الثلاث انها كانت مكتوبة بمصابيح النيون الكهربائية بحث تشتغل لعدة ثوان ثم تنطفيء لعدة ثوان و تعود فتشتعل على نحو ما يجري كثيرا في الأعلانات التجارية. كان هذا شيئا عجيبا بالنسبة لنا و تحيرنا في هوية الرجل المسكين الذي يقضي الليل و النهار و يده على مفتاح النور، يطفيء و يشعل هذه المصابيح كل بضعة ثوان. حرنا في امره. متى يأكل ؟ كيف يذهب لقضاء حاجته؟ ماذا تفعل زوجته اثناء غيابه؟ غير اننا اكتشفنا ان لهذه العملية ايقاعا واضحا له توقيته الخاص. و تعلمنا على مجاراته. ننفخ في اتجاه الأعلان فيشتعل و نبصق عليه فينطفيء، فنضج بالضحك و العربدة و الجذل و نعرقل سير المارة و نحن ننط و نتقافر بوقع هذه المتعة المجانية. اتقنا هذه العملية بحيث اننا لا نكاد نبدأ بالبصاق حتى تنطفيء الكلمات فورا و لا نبدأ بالنفخ حتى تشتعل على الحال. و كان ذلك بالنسبة لنا مدعاة للأعتزاز و الفخر العظيم. كل امة و على قد حالها. الأمريكان يصنعون السيارات و نحن نبصق على اعلاناتها.
دأبنا على ذلك حتى جاءت الشرطة يوما و خربت البهجة علينا كعادتها. تقدم نحونا العريف خلف ، مسؤول تلك النقطة، و القى القبض علينا بتهمة اهانة الدولة و التعرض للذات الملكية. قال انكم تتفلون على صورة الملك فيصل الثاني المعلقة في فاترينة المصور ارشاك المقابلة لبناية حافظ القاضي. حاولناعبثا الأشارة الى لنكولن فورد مركري و الأصرار على وطنيتنا بالبصق على المنتجات الأجنبية.
لم ينفعنا ذلك فأخذنا الى مركز شرطة العبخانة حيث وجهت الينا التهمة رسميا بالترويج للمباديء الهدامة. و لكن ضابط المركز سمح لنا كقاصرين الأتصال باهلينا فجاء الأعمام و الأخوال و الجيران بدشاديشهم و بيجاماتهم، يتوسطون و يشرحون و يتوسلون. شهد احدهم بمقدار حبي للملك و كيف انني لم ادخل الحمام الا و سمعني اغني : " فيصل يعزنا وسور لنا."
اخيرا احالونا الى حاكم التحقيق الذي سبق ان تلقى عشرات المكالمات و الوساطات من الأعمام و الأخوال و كل اهل الخير بشأننا فبادر الى سوآل العريف خلف اين كنا نقف؟ فقال في رأس الجسر. ثم سأله و اين ستوديو المصور ارشاك ؟ فقال مقابل بناية حافظ القاضي على الجانب الجنوبي من شارع الرشيد . فصرخ فيه الحاكم : ولك يا حمار ، كيف يكون بأمكانهم ان يشوفون صورة الملك و يتفلون عليها من مكانهم من راس الجسر؟ فانهال عليه بالشتائم و التحقير ثم امر بالأفراج عنا.
خرجنا من المركز و عدنا لأستئناف متعتنا اليومية بالنفخ و البصق ، و لكن ليس في اتجاه " لنكولن – فورد - مركري" هذه المرة و انما باتجاه العريف خلف نفسه. و المسكين يتحمل و يسكت. و كانت ايام خير . اقصى ما يفعله الاولاد هو ان يبصقوا على من لا يعجبهم و من لا يحبونه . لا يرمون عليه قنبلة او يضعون متفجرات تحت سيارته و يسببون موت الأبرياء.

ألمزيد في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG