روابط للدخول

الجواهري هائماً في حب الحياة والجمال


 الجواهري بريشة جبر علوان .. 1984

الجواهري بريشة جبر علوان .. 1984

من تقاليد الجواهريّ على ما نزعم، مع استثناءات محدودة، ان يخلّد مرة، أو يوّثق أخرى، عاصمة، أو مدينة زارها، وهو يعدو ويعدو في مساحات وفضاءات الدنيا، يحمل منقاراً وأجنحة وحسب، أخف ما لمّ من زاد اخو سفر ِ ... ويتنوع ذلك التخليد، أو التوثيق، الشعري طبعاً، بين اعجاب ببطولات وتضحيات هنا، أو وصف لطبيعة او مجتمع هناك، وما بينهما تغزلاً بجمال الحسان، ومن زن الحياة، باسقات ومشرقات دون مدى...

و"ليلتان على فارنا" القصيدة التي نعنى بها في هذه الحلقة الجديدة من الايقاعات والرؤى الجواهرية، نظمت عام 1973، خلال زيارة لمدينة فارنا، البلغارية الساحلية الجميلة بامتياز، وجاء مطلعها:

ما لهذي الطبيعة البكرِ غضبى ، ألها ان تثور ، نذر يوفى
أبرقت ثم ارعدت ، ثم القت ، حملها توسعُ البسيطة قصفا
اشرق الفجر فوق "فارنا" فأضفت ، فوقه سحرها الخفيّ ، وأضفى
واستطابَ الرمل الندي بساطاً ، فمشى ناعم الخطى ، يتكفا
معجباً يمسح الدجى منه عطفاً ، ويهز الصبح المنور ، عِطفا


ثم تكتمل الصورة الباهرة شيئاً فشيئاً: الماءُ ، والخضراءُ ، والوجه الحسن الصبوح لتهز أحاسيس، فراح الشاعر – الشاعر يصدح هائماً بدليلته "اكليك"... "النديم" التي رافقته في تلك السفرة، مندوبة عن اتحاد الأدباء البلغار:

ونديمي وجهٌ صبوح وكاس ، غودرت في مزاجها الصرف صرفا
احتسيها من لاعج الوجد عَباً ، وعلى رفة ِ الشفاه فرشفا
ثم دبت بنا تثقل جفناً ، وتصفي نفساً ، وترعش كفا
يا مزيجاً من ألف كون ترفق ، أن كوناً على ذراعيك ، أغفى

وفي أبيات تالية يزيد الجواهري من مباشرته، ليصدحَ بافتتانه المتبادل، واللامتناهي – شعراً على الأقل ، ومن يدري – مع حسنائه: "اكليك" والتي تصغره بنحو نصف قرن، على ما نسجله هنا للتاريخ، وباعتراف صاحب الأمر ذاته:

أنت "اكليك" يا طفيفاً من اللحم ، على العظم ، كاد ان يستشفا
ألف الفن صورة منك ِ تناهت ، في الحسن لطفاً ، وعنفا
دفع الصدر دفعة ً أعجب النهدين منه طيب المُقام فرّفا
الشهيان لملما ، فاستدارا ، فاستثارا ، فاستضريا ، فاستخفا


وبعد ذلك الوصف الخلاق للطبيعة، والتغزل المتفرد بالجمال الأنثوي، يستغرق الشاعر في فريدته ذات الثلاثة والستين بيتاً، متأملاً بأسرار الكون، وتقلباته، ونهايات مطافه ... ملوحاً بالإعجاب حيناً، وممنياً النفس حيناً آخر، وما بين هذا وذاك ايمان بالأمر الواقع، وتساؤلات عن ذلك اللغز الذي مابرح، ومنذ الخليقة، محيراً للألباب، وفقاً لفلسفة الجواهري حول الخلود والموت، والتي بقيّ متبنياً لها باقتناع راسخ على امتداد زمنه الرحيب... أما هو القائل:

لـُغزُ الحياةَِ وحيرة الألبابِ ، أن يستحيل الفكر محض ترابِ

المزيد في الملف الصوتي

ألجواهري ... إيقاعات ورؤى
برنامج خاص عن محطات ومواقف فكرية واجتماعية ووطنية في حياة شاعر العراق والعرب الأكبر... مع مقتطفات لبعض قصائده التي تذاع بصوته لأول مرة... وثـّـقـهـا ويعرضها: رواء الجصاني، رئيس مركز ألجواهري الثقافي في براغ... يخرجها في حلقات أسبوعية ديار بامرني.
www.jawahiri.com
XS
SM
MD
LG