روابط للدخول

يصف الادباء العرب مدينة بغداد بأنها مدينة الشعر و الشعراء و لاعجب. فهي مدينة البحتري و ابن الرومي و ابي نوآس، و منها انطلقت مدرسة الشعر الحديث، بدر شاكر السياب و نازك الملائكة و بلند الحيدري و عبد الوهاب البياتي و سواهم. و بالطبع، كانت لهم مجالسهم التي خلدت في تاريخ الفكر العراقي

مما تمبزت به عهود ايام الخير في بغداد المجالس الفكرية الخاصة، و التي نجد ما يماثلها في الكويت الآن بما يسمونه بالديوانيات. وهو ما يعرفه الغربيون يالصالون الادبي . اشتهر منها في القاهرة ديوان مي زيادة، الاديبة اللبنانية الفاضلة. كانت هذه الدواوين معروفة و منتشرة في بغداد و البصرة و تتمتع بقدر كبير من الحرية. سميت فيما بعد بالقبولات. كان من اشهرها ديوان السيد محمود الدفتري. كان الرجل يتمتع بقدر كبير من الاطلاع و الذكاء حتى ان ابنته لميس ذكرت بأنه عندما تجاوز التسعين من عمره، سألته قبيل وفاته بأيام قليلة عن القصيدة التي نظمها الشاعر التركي المعروف رضا توفيق في مدحه، اي مدح الدفتري، و ما اذا كان يتذكر شيئا منها. فراح ينشدها لأبنته بأصلها التركي و لم يتوقف حتى افرغ عشرين بيتا منها.
كان مجلسه مرتعا للآدباء والشعراء والمفكرين, وكثيرا ما احتدمت المناقشات اسياسية و الدينية فيما بينهم. فالتجأ الى بدعة سلمية لطيفة يتفادى بها ذلك. كان من هواياته، رحمه الله، تربية مجموعة كبيرة من القطط في بيته. فاذا ما احتدم النقاش بين الحاضرين، ولاسيما في الامور السياسية، عمد الى مناداة قططه، " ليلوة ، ليلوة، وينك يا ليلوة؟ براقش، وينك انت يا براقش؟ بش..بش..بش.." تحضر البزازين فيشغل الجالسين بها و يتلطف الجو بفضل هذه القطط الجميلة اللعوبة دون ان يلتجيء الى الاسلوب الفض بالطلب من المتكلم الكف عن الكلام و قطع النزاع و النقاش، مما قد يزعج الضيف و يثير حفيضته.
كان رحمه الله رجلا محبا للخير و السلام و التفاهم. وقد عز عليه ان يرى الشاعرين الاكبرين في العراق عندئذ، جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي في خلاف ونزاع مستمر ولا يتكلمان مع بعضهما البعض. فرتب وليمة عشاء عامرة في بيته دعى اليها شلة من ادباء بغداد وشعرائها. و كانت جلسة ادبية تاريخية بادر الحاضرون والغائبون الى تأريخها في اليوم الثامن من كانون الاول سنة 1928. استهل الجلسة جميل صدقي الزهاوي بقصيدة نمت عما في نفسه من روح الفكاهة و الدعابة فقال:

جمع الاديب الحر صبحي شملنا في داره ، اكرم بها من دار
لو لم تكن لي لحية وسدارة لحسبتني طيرا من الاطيار

استأنس الحضور بكلماته و شاعت المسرة و الدعابة بينهم حتى فرغ من قصيدته و جاء دور صاحبه ، او بالاحرى غريمه، معروف الرصافي . كان للعراق عندئذ حكومته الوطنية تحت عرش الملك فيصل الاول رحمه الله و لكنه كان مايزال رسميا تحت الانتداب البريطاني و ينتظر قبوله في عصبة الامم كدولة مستقلة ، وهو ما تم بعد سنتين ، أي في عام 1930. و كما نعلم ، كان الرصافي رحمه الله، من اشد نقاد النظام الملكي تطرفا. تطلع الحاضرون بصمت و خشوع الى ما سيقوله الشاعر الوطني الكبير. وبدلا من مداعبات الزهاوي المرتجلة، اخرج من جيبه نضدة من الاوراق. و تنحنح وقال هذه قصيدة سميتها " الانتداب". مسك القوم انفاسهم و توجسوا خوفا و قلقا مما سيقوله الشاعر المتمرد. إذ بدأ الرصافي بتلاوة ما في جعبته من القصيد فأنشد و قال:

دع مزعج اللوم و خل العتاب و اسمع الى الأمر العجيب العجاب

ثم مضى بأبيات مقذعة على عادته فوصف الحكومة بما لا يليق بغير الامرأة العاهرة التي تخفي زينتها و زيفها وعهرها تحت عبائتها و بوشيتها فقال:

قال جليسي يوم مرت بنا من هذه الغادة ذات الحجاب؟
قلت له : تلك لاوطاننا حكومة جاد بها الانتداب

يروي المؤرخ و الاديب مصطفى علي فيقول انه كان مع نفر من اصدقاء الشاعر. جلسوا و استمعوا اليه حتى انتهى من قصيدته. و عندئذ ساد الجميع الوجوم و لم ينطق احد ببنت شفة. و يظهر ان حتى بزازين السيد صبحي الدفتري قد خلدت هي الاخرى الى السكون و انصتت للشاعر. انفض الحاضرون الى بيوتهم ليتناقلوا و ينقلوا الى من فاتهم الحضور ابيات الرصافي. عاد الشاعر وعاد الحاضرون ، كل الى بيته آمنا مطمئنا. وبقيت ذكريات تلك الليلة عالقة في اذهانهم كواحدة من تلك الليالي البغدادية الاصيلة ، تلك الليالي القدامى ، ليالى السلم و الاخوة و الصفاء. ايام الخير اللي فاتت و راحت.
XS
SM
MD
LG