روابط للدخول

ما زالت شوارع المدن العراقية تعج بأطفال يتسولون ويمارسون أعمالا صعبة ومهينة رغم الجهود التي تبذل للحد من ظاهرة عمالة الأطفال. منظمات دولية ومحلية تشير الى ان تردي الوضع الأمني، والعوز أجبر العديد من الأطفال على ترك الدراسة والعمل في الشوارع أو التسول لمساعدة عوائلهم.

تقدر منظمة الأمم المتحدة لحماية الطفولة (اليونيسف) بـ 300 مليون عدد الاطفال الذين يتعرضون للعنف والاستغلال والإساءة، وإن عمالة الأطفال وصلت إلى معدل طفل ‏واحد بين كل ستة أطفال في العالم، ويمارس الملايين من هؤلاء الأطفال أعمالا خطرة مثل العمل ‏في المناجم، أو العمل بالمواد الكيميائية والمبيدات الزراعية، أو بآلات خطرة. وهم "في كل مكان ‏لكنهم غير مرئيين، يكدحون كخدم في المنازل، أو يعملون وراء جدران ورش، أو يعملون بعيداً عن الأنظار ‏في المزارع.‏

وتقول المنظمة الدولية إن العراق يصعب العيش فيه ومحفوف بالمخاطر بالنسبة للأطفال بسبب النزاعات والعقوبات التي فرضت عليه، حيث أدى انعدام الأمن منذ حرب عام 2003 إلى تدهور الخدمات الاجتماعية، واستنزاف البلد من الأطباء والمدرسين، وإحداث شرخ في التجمعات المحلية التي كانت تنعم بالسلام. وبسبب أعمال العنف، فقد عشرات الآلاف آباءهم وأمهاتهم وأخوتهم وأخواتهم وغيرهم من أفراد الأسرة ولم يعد بإمكان العديد من الأطفال إكمال دراستهم، حيث إن هناك ما لا يقل عن طفل واحد من بين كل خمسة أطفال في سن التعليم الابتدائي غير قادر على الذهاب إلى المدرسة. أليونيسف ذكرت ان تفشي العنف أجبر حوالي أكثر من أربعة ملايين عراقي على النزوح من مناطق سكناهم الأصلية واللجوء إلى محافظات أكثر أمنا أو الهرب إلى دول الجوار، وان أعمار نصفهم تقل عن 18 سنة.

الظروف التي يمر بها العراق أجبرت العديد من الأطفال على ترك الدراسة والعمل في الشوارع والتسول لمساعدة عوائلهم، لتصبح ظاهرة عمالة الاطفال ومشاهدة الطفل يتسول في الشارع من الصور المألوفة وبات من الطبيعي لعدد غير قليل من العوائل المعدمة أن تجبر أبنائها على ترك الدراسة والعمل للمساعدة في سد الاحتياجات الأساسية للعائلة حتى ان كانت تلك الأعمال صعبة ومهينة.

مراسل إذاعة العراق الحر في محافظة السليمانية (اّزاد محمد) أجرى مقابلات مع عدد من المختصين والمدافعين عن حقوق الأطفال حول تفشي ظاهرة عمالة الأطفال والجهود التي تبذل للحد منها، وتجول في بعض شوارع المدينة حيث التقى بعدد من الأطفال الذين أكدوا إنهم اجبروا وبسبب العوز على التخلي عن طفولتهم وأحلامهم وترك الدراسة والعمل :

"أسمي (ناصر) وعمري 14 سنة، هربت مع عائلتي من محافظة ديالى بسبب تدهور الوضع الأمني في مدينتي واستهداف الطلبة والمدرسين من قبل الجماعات المسلحة واسكن حاليا في السليمانية. ظروف الحياة القاسية أجبرتني على ترك الدراسة عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي والعمل لمساعدة عائلتي. أعمل كل يوم من الساعة السابعة صباحا وأرجع الى البيت مساءا. أحب الرياضة وخاصة كرة القدم وليس عندي الوقت لأعيش طفولتي وممارسة هواياتي... أتمنى العودة مرة أخرى إلى الدراسة."

" أسمي (أحمد علي) وعمري 14 سنة، انا صباغ أحذية واعمل 10 ساعات يوميا. أنا أكبر اخوتي ومضطر لإعالة أسرتي حيث والدي موظف ودخله قليل جدا, حلمي أن أكون لاعب كرة قدم .... أنا أكره عملي واشعر بالاهانة."

"أسمي (رزكار) واعمل صباغا، اخرج يوميا الى العمل من الثامنة صباحا وحتى السادسة مساءا , تركت الدراسة لمساعدة عائلتي حيث والدي مريض وأنا الابن الوحيد ومسؤول على دفع إيجار البيت نهاية كل شهر، أتمنى أن أعيش حياتي مثل بقية الأطفال وإكمال دراستي."

أكد (العقيد محمود أحمد مراد - مدير شرطة أحداث السليمانية) ان المادة 24 من قانون الأحداث تمنع تسول وعمل كل من يقل عمره عن 15 سنة. وللحد من هذه الظاهرة, تقوم مديرية الأحداث وبالتنسيق مع بعض المنظمات الإنسانية بتشكيل مفارز خاصة لجلب الأطفال وجمع كافة المعلومات عنهم وزيارة عوائلهم وتقديم الدعم المادي للعوائل الفقيرة وتغريم ومعاقبة أي عائلة تعهدت سابقا ثم أجبرت أطفالها لاحقا على العودة إلى الشوارع :

العقيد محمود أحمد مراد : "هناك مفارز للشرطة تتواجد في شوارع المدينة يوميا لجلب الأطفال المتسولين إلى مركز الأحداث , منظمة حماية أطفال كردستان تزور المركز وتأخذ كافة المعلومات وتزور عوائل الأطفال وتخصص مبلغا يصل إلى 150 ألف دينار شهريا للعوائل المعدمة والفقيرة. مفارز الأحداث لا تقوم بحجز الطفل وإنما يفتح التحقيق من قبل القاضي ويفرج عن الطفل في نفس اليوم بكفالة بعد ان تتعهد العائلة بعدم إرسال الطفل مرة أخرى للتسول وتغرم العائلة في المرة الثانية اذا تم ألقاء القبض على الطفل متسولا في الشوارع. القانون يمنع عمالة الأطفال واستغلالهم ويمنع حتى عمل أي شاب يقل عمره عن 18 عاما في النوادي الليلة التي أصبحت ظاهرة موجودة في المدينة وهناك مفارز ليلية تتابع هذا الموضوع."

تعتبر منظمة حماية أطفال كردستان واحدة من المنظمات القلائل في المنطقة المدافعة عن حقوق الطفل وحمايته، (ريبوار عزيز سعيد – مدير اعلام منظمة حماية أطفال كردستان) تحدث عن المنظمة وأقسامها والبرامج التي تنفذها للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، ومنها برنامج (الأطفال المشردون) الذي يهدف إلى إبعاد الأطفال عن التشرد ولم شمل العائلة وعودة الأطفال إلى المدارس :

"تأسست منظمة حماية أطفال كردستان عام 1991 وتوسعت لاحقا أنشطتها لتشمل محافظات الإقليم وكركوك وبغداد وخانقين ولديها أقسام مختلفة منها التربية والصحة وحماية الطفل والتبني. وباشرت المنظمة ضمن حملتها لحماية الطفل، تنفيذ برنامجين رئيسيين لمساعدة الأطفال الذين يعملون في السوق أو يجدون أنفسهم في مواجهة القانون، وهما برنامج (الأطفال المشردون) الذي يهدف إلى إبعاد الأطفال عن التشرد ولم شمل العائلة وعودة الأطفال إلى المدارس. وبرنامج (جنوح الأحداث) الذي يتابع الأحداث والمراهقين الذين يرتكبون جنحا وتواجههم مشاكل قانونية".

أجرت منظمة حماية أطفال كردستان العديد من المسوحات لدراسة ظاهرة عمالة الأطفال في محافظات الإقليم الثلاث وأشارت نتائج آخر مسح إلى وجود أكثر من 14000 طفل يعملون رغم انهم دون الخامسة عشرة من العمر، نصفهم في أربيل. (شاسوار سعيد – باحث اجتماعي في قسم حماية الاطفال التابع للمنظمة) تحدث عن المحاولات التي تقوم بها المنظمة بالتنسيق مع مديرية شرطة الأحداث لتطبيق قانون العمل العراقي رقم 54 الذي يمنع عمل أي طفل دون الخامسة عشرة من العمر الا برفقة احد أبويه وعلى ان لا يكون العمل فوق طاقة الطفل :

"أجرت المنظمة عام 2007 مسحا في محافظات الإقليم الثلاث وتبين وجود أكثر من 14000 طفل دون الخامسة عشرة من العمر يعمل نصفهم في أربيل. وهذا مناف لقانون العمل العراقي رقم 54 الذي لا يسمح للطفل دون السن الخامسة عشرة بالعمل الا برفقة احد أولياء أمورهم على أن لا يكون هذا العمل فوق طاقة الطفل. وللحد من هذه الظاهرة وضعت المنظمة برنامجا من خطوات تبدأ بتطبيق قانون العمل العراقي بمساعدة مديرية شرطة الأحداث ....المنظمة وبالتنسيق مع مديرية العمل والضمان الاجتماعي شكلت لجنة لمراقبة ومعاقبة كل من يستغل الأطفال والاحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة في مزاولة أعمال لا تلاءم أعمارهم كالعمل في الفنادق والحمامات والنوادي الليلية إضافة إلى أي عمل يسبب لهم عوقا جسديا."

أكد ممثل منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف) في العراق (روجر رايت) أن مستقبل البلد يتوقف على الوسيلة التي نلبي بها احتياجات الأطفال الأكثر إلحاحا اليوم. ويضيف "إن أهم أمل يراود كل طفل عراقي هو ببساطة أن يتعلم ويلعب وينشأ بسلام وكرامة".


المزيد في الملف الصوتي

عقود من الاضطهاد والقمع مع غياب ابسط الحقوق وانتهاكات يتعرض لها المواطن إلى يومنا هذا وجهود المنظمات الأهلية والمؤسسات الحكومية في تثقيف المجتمع وتوعيته والدفاع عن حقوقه.. حقوق الإنسان في العراق يسلط الضوء على هذه المواضيع من خلال المقابلات التي يجريها مع مختصين ومسؤولين ومواطنين.
XS
SM
MD
LG