روابط للدخول

حاول مدير المعارف محمد اضل الجمالي عام 1935 ان يتحقق من الانتماءات الطائفية و الدينية في العراق في استبيان وزع على المدارس و رفض الطلبة بإباء مثل هذا السوآل و اضطرت الوزارة الى سحب الاستبيان

في هذه الأيام التي كثر فيها مع الاسف الحديث ، السوآل والجواب عن دينك و مذهبك و انتمائك الطائفي، واسمك و هويتك و محل سكنك، لم تكن هذه الأمور مما تشغل بال الناس و يسأل عنها المواطن العراقي. كنا في ايام الخير، و اقصد بها على وجه التحديد ايام العهد الملكي ، لا نجرؤ على سوآل الانسان عن دينه او مذهبه. كنا نعتبر مثل هذا السوآل من قلة الأدب و عدم الأصول. لم نكن نعرف قط عن مذهب عبد الكريم قاسم مثلا. انا شخصيا الى الآن لا اعرف ماذا كان مذهبه. كنت احترمه كرجل وطني و شريف و نزيه دون ان اعرف ما اذا كان شيعيا او سنيا. الحقيقة ان لي صديقا حميما في لندن، التاجر العراقي اسماعيل البنا، التقي به كل اسبوع منذ عرفته في الستينات. و انا الى الآن لا اعرف ما هو مذهبه. سألني مرة السفير العراقي عن مذهبه فقلت له ، آسف لا ادري ما هو مذهبه.
هكذا كنا نعيش في العراق. نقيم الانسان بعمله و حسن اخلاقه و وطنيته ولا نلتفت الى مذهبه او طائفته. و بالطبع لم يرد أي ذكر لهذا الموضوع في وثائقنا الرسمية ، دفتر النفوس او دفتر الخدمة العسكرية او شهادة الجنسية او في سجلات المدرسة. و بنتيجة ذلك لم تكن عندنا اي فكرة ثابتة و واضحة عن عدد ابناء الطوائف المختلفة . كان السنة يعتقدون انهم هم الأكثرية و كان الشيعة يرون انهم هم الأكثرية. و لكن ما المهم في ذلك . كلنا عراقيون.
في عام 1935، خطر للدكتور فاضل الجمالي ، عندما كان مدير المعارف العام، ان يتحقق من ذلك. فهو كعالم اجتماعي و تربوي يهمه ان يعرف مثل هذه الأمور. احب ان يعرف كم من طلاب المدارس شيعة و كم منهم ، سنة. و كم منهم يهود او مسيحيون او مندائيون مثلا. وهو موضوع ربما تكون له بعض الأهمية من حيث التدريس في المدارس و المناهج المقررة للطلاب.
بادر الدكتور الجمالي فأخطر مدراء المدارس الثانوية ان يقوموا بإحصاء عن الانتماء الطائفي لتلامذتهم. و بدوره، قام كل مدير مدرسة ثانوية بالطلب من معلمي المدرسة ان يتحققوا من اديان و مذاهب تلاميذهم. أن يسألوا كل تلميذ عن ذلك و يعدوا استبيانا في الموضوع يبين عدد التلامذة الشيعة او السنة في كل صف. لم اكن قد دخلت المدرسة بعد في ذلك الوقت ، و لكن صديقي الدكتور وصفي حدثني مؤخرا فقال إنه ما زال يتذكر ذلك اليوم عندما اخرج المعلم في متوسطة الأعظمية قلما و ورقة و راح يسألنا عن مذاهبنا. من منا كان من عائلة سنية او عائلة شيعية ، عائلة يهودية او عائلة مسيحية.
كنا شبابا ، او في الواقع صبية لم نبلغ حتى سن الرشد بعد. كنا بين السنة الثالثة عشر و السنة السادسة او السابعة عشر من عمرنا. و مع ذلك و رغم حداثتنا ، شعرنا باستياء كبير عندما واجهنا هذا السوآل و سمعنا المعلم يسألنا عن مذهبنا. انطلق احدنا ، التلميذ محي عبد الكريم ، على ما اتذكر، فتحدى المعلم و قال، استاذ هذا تدخل في شؤوننا الشخصية و هوية عائلتنا. هذا عيب. هذا شي ما نتوقعه من الحكومة او المعلمين ان يسألونا مثل هالسوآل . منو بينا سني و منو بينا شيعي.
ما ان قال زميلي محي الدين هذه الكلمات ، حتى ضج بقية الطلاب و هددوا بترك غرفة الدرس اذا اصر المعلم على سوآله. كانت في الواقع من اول المصادفات التي هدد فيها الطلاب في العراق بالإضراب و القيام بمظاهرات. و كان الموضوع موضوعا مشرفا ، الا وهو اعتبار الانتماء الديني و الطائفي شيء شخصي بين المواطن و ربه ، الواحد الأحد. و ليس من حق احد أن يسأله في ذلك.
و كذا جرى الحال في بقية الصفوف ، بل و بقية المدارس. فاضطر المعلم الى سحب سوآله و ترك الموضوع. نقلوا لديوان وزارة المعارف مشاعر الطلبة في هذه القضية فطوت الوزارة هذا الأمر و الغت فكرة الاستبيان. و كان ذلك يوما من الأيام المجيدة في رأيي ، يوما من ايام الخير في تاريخ العراق المعاصر.

لمزيد من التفاصيل , استمع الى الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG