روابط للدخول

الحديث عن الكُفة، الخاصة بالنقل النهري في ايام الزمان في العراق


خالد القشطيني

الكفة من وسائط النقل النهرية الغريبة التي تفرد بها العراق. و زالت من الوجود منذ سنين. لم يعد الجيل الجديد يتذكر منها غير وردودها في بعض الأمثال الشعبية. كانت تصنع من القصب الرقيق على شكل اسطوانة مجوفة تطلى من الخارج بالقير فيعطيها لونها الأسود. يديرها عادة رجل واحد بمجداف منفرد و لكن ادارتها صعبة جدا و أي هفوة في استعمال المجداف يجعلها تدور حول نفسها بشكل سريع يدوخ من يركبها.
ظل اهل بغداد يستعملون الكفة في مهمات محلية محدودة حتى اوائل الخمسينات. و لكنها كانت تستعمل قبل ذلك سوية مع البلام في تعبير الركاب بين جانبي الرصافة و الكرخ. و لها حكاياتها و فولكلورها، وهي على الأغلب حكايات مأساوية عن الكوارث التي حلت بركابها و اصحابها، ولا سيما في مواسم الفيضان و الأيام العاصفة عندما تشتد الريح و تتعالى امواج نهر دجلة. وهو ما حدث بالضبط في سنة 1929. كانت الكفة محتشدة بالركاب و ظلت تتموج مع الأمواج و الريح بحيث تعذر على ملاحها السيطرة عليها فاصطدمت بالدوب التي كانت مربوطة بشريعة المصبغة بحيث انقلبت على ظهرها. كان بين ركابها السيد ذيب و السيد عبد الكريم بافي من اعيان صوب الكرخ، و لكن الأول اشتهر بالبخل في حين اشتهر الثاني بالكرم و الاحسان للناس. و يظهر ان ملاح الكفة واجه هذا الخيار المسرحي الكلاسيكي، من منهما يبادر الى انقاذه فورا في غضون تلك الثواني الحرجة القليلة. لم يحتج لمن ينصحه في ذلك. اسرع الى انقاذ الرجل الكريم عبد الكريم و اسمه عليه، و ترك السيد ذيب و اسمه عليه ايضا. فغرق و لقي حتفه. لم يعد المشاهدون يرون منه شيئا غير عمامته التي راحت تتقاذفها الأمواج.
ان نجى السيد عبد الكريم بافي من الغرق و وصل الشاطيء بسلام حتى امر فأحضروا له مائة ليرة و جعل يبللها بريقه ثم يلصقها بجبين الملاح مكافأة له على حسن صنيعه. ثم عاد الى البيت ، غير ملابسه المبتلة و امر بذبح خروف قربانا لله تعالى على معروفه و وزع لحمه على الفقراء، على عادة المسلمين في ديار الأسلام بين هلاهل النسوة و ضجيج الأولاد.
أم تفت مسرحية الحادثة و وقعها عن انظار جماهير بغداد فبينما تقاطر القوم على بيت السيد عبد الكريم بافي ليهنؤه على سلامته و يقدموا الهدايا له و لأسرته، خف الآخرون للتفرج على تشييع جنازة المسكين السيد ذيب. و كانت من المناسبات القليلة لا في تاريخ العراق و حسب، بل و في تاريخ الجنائز في كل العالم ايضا. فقد شيع الفقيد بالضحك و السخرية و تعيير الصبيان و الأطفال و تشفيهم به. فلم يكن بينهم من انعم عليه ذيب ببيزة واحدة او حامض حلواية واحدة. و اكثر من ذلك لم يظهر بين اهل بغداد من اعترف بقرابته له او ادعى بها. لقد عاش وحيدا ينكر و يتنكر لأهله خوفا من طلب مساعدته لهم. فأنكروه هم ايضا بدورهم و تنكروا عليه تجنبا لعاره و سوء سمعته.
و لكن الأطفال لم يبخلوا عليه فمشوا وراء جنازته يصفقون و يتندرون عليه و يرددون الهوسات الشعبية الساخرة و المضحكة. سرعان ما دخلت مأساته صفحات الأدب الشعبي لتلك الأيام بما قيل عنه و انشده الشعراء. و كان من اطرفها الأبيات التي صاغتها السيدة امينة ، والدة الشاعر محمد ناجي القشطيني حيث قالت:

جتي العمامة طايفة

و الروج يلعب بيها

بعيد البلى سيد ذيب راعيها

ذيب مات بالغصة

لا شهّد ولا وصى

عاش بتمن الميدان

بعمره ما خرج قران

شاهيات لملمهن

بالزاغور ضمضمهن
اردان ثوبه كونية

سيد ذيب هالغافي

و الماي عليه صافي

و التهو بإبن بافي

و خلوه يضيع الفينة

على صلة

XS
SM
MD
LG