روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

ايام الخير

وألان مع الكاتب العراقي خالد القشطيني وحلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي أيام الخير يحدثنا فيها عن بدايات تأسيس أول دار للمعلمين في بغداد من قبل السلطات البريطانية..

عندما كان العراق في امس الحاجة للمعلمين و المعلمات لم تكن هناك في وادي الرافدين أي دار لتدريب المعلمين و المعلمات. و كانت السلطات العثمانية تختار المعلمين جزافا من بين المعممين و المتعلمين. و لكن ما ان تم تحرير البلاد من الحكم العثماني حتى بادرت السلطات البريطانية الى تأسيس اول دار للمعلمين في بغداد. و كان ذلك في شهر حزيران سنة 1917. خصصت الادارة البريطانية راتبا قدره 75 روبية للمنتمين اليها. و بلغ عدد الطلاب 29 طالبا.

كان بينهم طه الراوي و منير القاضي و نجيب الراوي و مصطفى عزت و سلمان الشيخ داود و والدي شاكر القشطيني و عمي ناجي القشطيني ، رحمهم الله جميعا. و كما نرى قدر لهؤلاء السادة ان يلعبوا فيما بعد ادوارا مهمة في تشييد المملكة العراقية و تطويرها. استمرت الدورة الدراسية لمدة سنة تعلم الطلاب خلالها قواعد النحو العربي و مباديء العلوم و الحساب و تاريخ العرب و الاسلام بالإضافة لدروس الدين طبعا.

ما ان اكمل الطلاب دراستهم حتى تم تعيينهم في مدارس بغداد الرئيسية. و لكن سرعان ما ظهرت مشكلة امامهم. فقد كان معظم الطلبة يلبسون الجبة و العمامة ، ليس لأنهم من رجال الدين ، و انما لأن الجبة و العمامة كانت زي المتعلمين و التجار وابناء الذوات في العهد العثماني. ولم تكن السترة و البنطلون شائعة في العراق. الكسبة و العمال و بسطاء الناس كانوا يلبسون الدشداشة و الجراوية و الفلاحون يلبسون الدشداشة و العقال و الاشماغ. و كان اهل المدن من المتعلمين و رجال الاعمال يلبسون الجبة و العمامة و الفينة.

سرعان ما واجه خريجو دار المعلمين هذه المشكلة. فبعد تأسيس المملكة العراقية و تتويج فيصل الأول رحمه الله ملكا على العراق سعت الحكومة الى نبذ هذه الأزياء المتنوعة و تشجيع الناس على لبس السترة و البنطلون ثم السدارة فيما بعد. تحمس الملك فيصل بصورة خاصة للبس السدارة حتى سميت بإسمه " الفيصلية". تطوع حتى المنلوجست الشهير عزيزي علي لتشجيعها فغنى المنلوج المعروف " غطاء الراس اصبح يا ناس اشكال اجناس".

عبر عزيز علي عن تلك البلبلة الكبيرة التي شاعت بين الناس في الملبس، و بصورة خاصة في لبس غطاء الراس. تفجرت هذه البلبلة بين والدي السيد شاكر و عمي السيد ناجي. رأى عمي ابو سعدون ان العراق اصبح دولة مستقلة و آخذة بالتطور و التقدم. و على المواطنين ان ينبذوا مخلفات العهد العثماني . و عليه فالمستقبل بيد من يمسك بخيوط هذا التطور و التقدم. و يأتي في اول ذلك لبس السترة و البنطلون و السدارة. حاول عمي ابو سعدون ان يقنع والدي رحمه الله بجدوى هذه الوصفة . المستقبل بيد من يأخذ بالزي الحديث. سيفلح و يترقى.

بيد ان والدي رفض الأخذ بهذه المقولة و قال لعمي ابو سعدون ، روح اشتري بعقلك حلاوة. انا غير مستعد لنبذ عمامتي و عمامة والدي و اجدادي من اجل الوظيفة. و هكذا انشقت عائلتنا ، اسرة آل القشطيني ، بين من تمسكوا بالقديم و من أخذوا بالجديد. و كانت النتيجة ان تقدم عمي ابو سعدون في عمله و اشغل منصب مديرية المطبوعات العربية ومديرية الدعاية العامة و اصبح مفتشا في وزارة المعارف. في حين بقي والدي في عمله كمعلم بسيط في مدرسة الكرخ الابتدائية. عاش و مات في عمله هذا ، معتزا بجبته السوداء و عمامته البيضاء و فينته الحمراء، يعلم الاولاد قواعد اللغة العربية و دروس الدين . تخرج على يديه مئات من ابناء الجيل الجديد الذين لم يأخذوا برأيه و لبسوا السترة و البنطلون و السدارة ثم القبعة. و لكنه عاش و مات معتزا برأيه و برسالته في تعليم الجيل الجديد في تلك الأيام من ايام الخير.


على صلة

XS
SM
MD
LG