روابط للدخول

قصة الأب أنستاس ماري الكرملي مع اللونين الأحمر والأزرق


خالد القشطيني – لندن

أشرت في عدة مناسبات سابقة إلى ظاهرة المجالس الأدبية التي شاعت وتشعبت في أيام الخير، حين كان العراقيون أحرارا في اجتماعاتهم، آمنين على أرواحهم وسلامتهم. من أشهر هذه المجالس الأدبية كان مجلس الأب أنستاس ماري الكرملي في كنيسة اللاتين صباح كل يوم الجمعة. اعتاد الكثيرون من المهتمين بالأدب والفكر على ارتياد هذا المجلس، ومن بينهم حتى بعض علماء الإسلام كالشيخ جلال الحنفي. كان منهم مصطفى جواد ومير بصري ويحيی الدباغ وميخائيل عواد وروفائيل بطي ونجدة فتحي صفوة وعباس البغدادي وأحمد حامد الصراف وغيرهم.

تدخل إلى مجلسه فتفاجؤك لوحة كبيرة تقول "ممنوع التحدث في الدين أو السياسة". تجلس عندئذ وتتساءل، إذن فما الذي سنتحدث عنه؟ فهذان هما الموضوعان اللذان لا يحلو لأي مجلس في العراق بدون التحدث فيهما.

اللوحة تقول "ممنوع الكلام في الدين و السياسة". إذن فماذا بقى؟ طبعا هناك الموضوع المحبب الآخر: المرأة والحياة الجنسية. ولكننا هنا في دير كنيسة كاثوليكية وفي مجلس راهب، لا شأن له بأي من ذلك. فماذا بقي للحديث؟ بقي حديث اللغة والأدب العربي. فالأب أنستاس معروف لدی كل المثقفين العرب كعالم كرََّسَ حياته لشؤون اللغة العربية وتميز فيها بتزمته وتطرفه في نقاوة اللغة واحترام قواعد النحو والصرف. جره ذلك إلى نزاع مرير مع مصطفى جواد الذي تمسك هو الآخر بنقاوة اللغة العربية وتعصب في ذلك فاختلفا وتنازعا وانتهيا بالزعل، ربما انطلاقا من المثل الشعبي "ديكين على فد مزبلة ما يعيشون". وكان الدكتور مصطفى جواد قد تتلمذ على الأب الكرملي. ولا بد أن تمتم أبونا أنستاس الكرملي مع نفسه عندئذ قول الشاعر وعلمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني.

من نتائج هوسه باللغة العربية، اعتاد الأب أنستاس عندما يقرأ أن يمسك بقلم ذي رأسين، أحدهما أزرق والآخر أحمر. كلما صادفه خطأ لغوي في النص، أشر عليه باللون الأزرق. وكلما وجد تعبيرا بليغا ودقيقا أشر عليه باللون الأحمر. لاحظ ذلك صديقنا نجدة فتحي صفوة فاستغرب من الأمر. ولم يستطع أن يكبت استغرابه فالتفت إلى الكرملي وسأله عن ذلك.

قال له: "أبونا"، وهي الكلمة التي اعتادوا على مخاطبته بها حتى لو كنت شيخا من شيوخ الإسلام. قال له: "أبونا، الشائع هو أننا نستعمل اللون الأحمر للتأشير على الخطأ واللون الأزرق للتأشير على الصواب. وأنت تفعل عكس ذلك تماما." فأجابه: "هذا كله خطأ. فأجدادنا العرب كانوا يتعلقون باللون الأحمر. يثنون على حمرة الخد ويتغنون بحمرة الورد ويلبسون الثياب الحمراء في الأعياد. كانوا على عكس ذلك يكرهون اللون الأزرق، فهو لون عيون الإفرنج أعدائهم. ويصفون البلاء بالبلاء الأزراق. ويصفون الموتى فيقولون: ازرَقَّ لـَوْنـُهُ."

هكذا واضب أبونا على تصحيح كل ما يقع تحت نظره بقلمه الأزراق والأحمر.

استلم ذات يوم صكا على البنك فلاحظ أنه كان مليئا بالأخطاء النحوية، ومنها قول الساحب: "ادفعوا لأمر أبونا ... مبلغ ثلاثون دينار." فاستولت العصبية اللغوية عليه فأخذ قلمه وأداره على رأسه الأزرق وصحح الأخطاء النحوية الموجودة فيه: أبينا وليس أبونا، وثلاثين دينارا وليس ثلاثون دينار، وهكذا. وقامت المشكلة بينه وبين البنك، هو يتمسك بسلامة اللغة ومدير البنك يتمسك بسلامة حساباته من الشطب!

أخيرا صرخ الأب الكرملي بمدير البنك: "يعني تريد تقول لي إن ثلاثين دينار أهم من سلامة اللغة العربية؟ طيب، خذها، ما أريدها."

وكانت أيام خير، تلاثين دينار يعني تلاثين دينار. ما الذي تشتري بها الآن؟ شلغماية أو بتيتايه؟ ولكنها كانت تلاثين دينار في أيام خير الدنيا، وراحت وتدهورت ويّا الدرهم والدينار.

على صلة

XS
SM
MD
LG