روابط للدخول

أيديولوجية حزب البعث الحاكم في العراق ومدى تأثيرها على طريقة تفكير صدام حسين


(ولاء صادق) تقدم فيما يلي عرضاً لتحليل عن مجلة أسبوعية أميركية تناول أيديولوجية حزب البعث الحاكم في العراق، ومدى تأثيرها على طريقة تفكير صدام حسين.

مجلة ويكلي ستاندارد الاميركية الاسبوعية نشرت في عددها الاخير مقالة كتبها ديفيد بروكز تحت عنوان " الايديولوجية التي تقف وراء البلطجة " تعرض فيها الى فكر صدام حسين وقال ان المسؤول الحقيقي عن وجود صدام حسين هو ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث بفرعيه العراقي والسوري. فهو الذي رفع صدام حسين الى قيادة الحزب القطرية في العراق وهو الذي وضع الايديولوجية التي ما تزال تسيطر على تفكير صدام اليوم.

ولاحظ الكاتب ان صدام وفي جميع خطبه يشير الى العرب باعتبارهم العرق المتفوق في العالم واصحاب انجازات عظيمة ويعرض فكرة التسامي اعتمادا على القتل والحروب. والاهم من ذلك انه يعتبر الصراعات والحروب والمواجهات والثورة المستمرة اهمَ من جميع الحقائق الموضوعية ويؤمن بان الامة العربية هي التي ستتفوق في النهاية.

وراى الكاتب ان صدام حسين اقتبس هذه المعتقدات من حزب البعث ومن مؤسسه ميشيل عفلق ونقل عن صدام قوله في لقاء صحفي في عام 1980 إنه لا يمكن ان ينسى ما فعله عفلق من اجله فلولاه لما كان في هذا الموقع كما قال، وشبه بدايات الحزب ببدايات الاسلام. واشار الكاتب ايضا الى ما تقوله المعارضة العراقية عن ان النظام العراقي هو نتيجة الفكر العفلقي اي انه هيكل حزبي يتمحور حول ايديولوجية ادت الى انتاج صدام حسين.

ثم ذكر الكاتب بتاريخ عفلق الذي ولد في عائلة مسيحية في دمشق في عام 1910 ودرس الفلسفة في جامعة السوربون في نهاية العشرينات وعاد الى دمشق في الثلاثينات ونشط في السياسة مع صلاح البيطار وهو سوري سني

ورفض الفكر الغربي واعتبره غير ملائم لانتاج حضارة افضل للعرب. ثم في عام 1940 اسس عفلق حركة النهضة العربية التي تحولت الى حزب البعث في عام 1947 وراحت تكسب عددا من المؤيدين من ابناء الطبقة الوسطى في سوريا ثم بدرجة اقل في العراق والاردن ولبنان. وفي عام 1968 بعد ثورة حزب البعث في العراق دعا صدام عفلق الى الاقامة في العراق حيث عاش حتى وفاته في عام 1989 عندما اعلنت الحكومة العراقية انه تحول الى الاسلام وهو على سرير الموت.

--- فاصل ---

وتطرق الكاتب بعد ذلك الى ايديولوجية الحزب ولاحظ ان شعاره هو الوحدة وتعني وحدة العرب والحرية وتعني التحرر من الامبريالية ثم الاشتراكية التي جردت من معانيها الاقتصادية لان عفلق لم يهتم في حياته بالاقتصاد كما قال الكاتب بل اعتبرها التزاما مستمرا بالثورة. وافضل وصف للحزب، كما قال الكاتب هو انه قومي عربي كان علمانيا في البداية ثم تحول الى التطرف الاسلامي. رغم ان كنعان مكية ينفي في كتابه جمهورية الخوف كون القومية العربية مفهوما علمانيا بل هي حركة تضامن وتخلص من تأثير الغرب. ويعتقد عفلق ان على العرب التجرد من كل ما تعلموه من الغرب والعودة الى اصولهم إذ آمن عفلق المسيحي وكما لاحظ الكاتب بما منحه الاسلام للعرب. كما لم يعتبر عفلق الصراع مع الغرب صراعا بين المسيحية والاسلام بل اعتبر ان الاديان السماوية الثلاثة ظهرت في الشرق الاوسط وان اوربا اعتنقت دينا غريبا عليها وردها من الخارج وكان يرى ان ليس في امكان الاوربيين والاميركيين ان يكونوا مسيحيين حقيقيين لانهم يفتقدون الى السمو الروحي الذي يملكه العرب.

ولاحظ الكاتب ان كتابات عفلق، قدر تعلق الامر بامور ملموسة وحقيقية، غامضة وانه برع في رسم الصور وفي التنظير عن الثورة ودعا الى القسوة والصرامة ازاء من يخالفونه الراي. ثم ذكر الكاتب بانضمام صدام حسين الى حزب البعث في الخمسينات عندما كان الحزب يضم 300 عضو فقط ويحاول تطوير هيكل حزبي لينيني مع خلايا محلية وفروع مع نخبة قيادية تمثلها القيادة القطرية ومجلس قيادتها. كما طور الحزب شبكات امنه ومخابراته وصحفه. ثم عندما استولى على السلطة تصرف مثل الاحزاب اللينينية وانشا هيكلا موازيا داخل الحكومة لضمان الطاعة والولاء وجيشا موازيا الى جانب الجيش النظامي وحكم على من يريد الصعود وحتى الدراسة في الخارج ان يكون من اعضاء الحزب كما حكم على من يترك الحزب بالموت.

ولاحظ الكاتب ايضا ان كتابات الحزب تدعو الى اراقة الدماء والبطولة والتضحية وان فكرته الاساسية هي تفوق العرق العربي. كما لاحظ ان الثورة بالنسبة لصدام حسين ليس مجرد حدث تاريخي مثل الثورتين الروسية والفرنسية بل هي صراع ابدي لا ينتهي.

--- فاصل ---

وتابع الكاتب إن فكر عفلق واضح في كتابات صدام وخطاباته. فهو يامل الكثير من الامة العربية لاعتقاده ان الله ارسله لهذه المهمة. كما تحفل خطاباته بالاشارة الى نبوخذ نصر والى صلاح الدين باعتبارهم احياء يرزقون يعيشون من خلاله. هذا اضافة الى ان الاشارات كثيرة في خطابات صدام حسين وكما لاحظ الكاتب الى تفوق العرب ودنو الشعوب الاخرى. فهو لا يعترف حتى بقيم الولايات المتحدة والامم الاخرى. وذكر الكاتب بما قاله صدام في كانون الثاني من عام 2002 عن أن الاميركيين لم ينشئوا حضارة حقيقية وشاملة بمعنى الحضارة الحقيقي بل اعتمدوا القوة فقط مما يعني ان امة ما ستسيطر على الارض في احد الايام وتحقق قيمها وتحقق الامال وتخلق المجد وهي في رأيه الامة العربية. ثم قال الكاتب ان هذه الافكار ليست افكار صدام بل هي افكار حزب البعث.

ثم انتقل الكاتب الى فكرة اخرى جاء بها عفلق وتظهر في خطب صدام وهي فكرة الثورة الدائمة والصراع المستمر. علما ان كلمة ثورة لها معناها الخاص بالنسبة لصدام اي انها بلا بداية ولا نهاية وحرب مستمرة ورسالة حياة.

ثم هناك فكرة عفلق المتعلقة بالمرونة في الاهداف ما دامت الثورة مستمرة. وذكر الكاتب بخطاب لصدام في عام 1977 امام مؤرخين علمهم فيه اعتماد تحليلات الحزب قبل الحقائق التاريخية. ثم تأكيده في تموز من عام 2002 بان جميع المبادئ حتى مبادئ البعث نسبية وان متطلبات الثورة الآنية هي التي تحدد الحقيقة. وذكر الكاتب بقوله ان البعثي الحقيقي هو من يرفض الخضوع للمبادئ الاساسية او حتى لما آمن به قبل ست سنوات مثلا بل من يؤمن بضرورات المستقبل.

وتوصل الكاتب الى استنتاج مفاده ان التعامل مع صدام ليس تعاملا مع قاتل او إرهابي بل مع من يعتقد نفسه صاحب رسالة لم تتغير منذ اربع عقود رغم توجهها نحو الاسلام مؤخرا. وهذه الرسالة تقوم، وكما يرى الكاتب، على ايديولوجية البعث التي تدعو الى الصراع المرير والمستمر والواسع حتى نهاية التاريخ والتي تعتبر جميع القيم والمعايير والحقائق اعتباطية. فصدام لا يعتبر التغيير امرا مخجلا بل ضرورة يفخر بها تماما، حسب راي الكاتب. ولذا خاض حربا ضد ايران وشن حرب ابادة على الاكراد ثم اجتاح الكويت وحارب الولايات المتحدة والعالم وشن حروبا في شمال البلاد وجنوبها. وقد يدخل حربا جديدة مع الولايات المتحدة وحلفائها الان تستخدم فيها اسلحة الدمار الشامل. فالحرب يجب الا تتوقف حسب نظرية حزب البعث ولا اسف على القتل الجماعي لاناس من عروق ادنى. فالتفوق العرقي للعرب يحتم ابادة الاخرين، كالاميركيين مثلا، حسب ايديولوجية حزب البعث، وكما قال الكاتب. وهو امر يعتقد صدام حسين ان التاريخ سيغفره له لاعتقاده بضرورة اهانة الولايات المتحدة وديمقراطيتها واخضاعها لسيطرة الامة العربية كي تتمكن الاخيرة من احراز نصرها النهائي وتحقيق رسالة الله في الارض.

ثم اكد الكاتب ان فكر صدام لم يمنح ما يكفي من الاهتمام وان ذلك امرا خطأ يشبه دراسة لينين في معزل عن الشيوعية او هتلر في معزل عن النازية. ثم قال الكاتب اخيرا ان صدام لم يخطئ في حساباته كما يعتقد المنظرون بل هو مدفوع بهدف حزب البعث وايديولوجيته التي تدعو الى الحرب واراقة الدماء والثورة والصراع ضد الجميع وحتى نهاية الزمان.

على صلة

XS
SM
MD
LG