روابط للدخول

الملف الثاني: تأثير ضرب العراق على توازن القوى الإقليمي


محمد إبراهيم يرى المحلل في قسم الأخبار في إذاعة أوروبا الحرة / إذاعة الحرية (جون كريستوف بويش) أن أي تدخل عسكري أميركي في العراق ربما يخلق آثاراً وخيمة على توازن القوى الإقليمي الذي تشكل في أعقاب حرب الخليج عام 91، ولم يعد أمراً مفاجئاً أن عملاً عسكرياً محتملاً ضد بغداد زاد من قلق تركيا ومنطقة كردستان العراق التي تتمتع بحكم ذاتي منذ عقد من الزمن. (محمد إبراهيم) يعرض للتحليل.

في مطلع التسعينات كانت تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، أول بلد في الشرق الأوسط انضم إلى التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بهدف طرد القوات العراقية الغازية من الكويت.
ورغم المقاومة العنيفة التي أبداها كبار قادة الجيش فإن الرئيس، تورغوت أوزال، فتح القواعد الجوية والعسكرية التركية أم الطائرات الحربية الأميركية فضلا عن طائرات دول أخرى في التحالف. وكان الرئيس التركي الراحل يأمل في أن دعم العمليات التي قادتها الولايات المتحدة ضد الرئيس العراقي صدام حسين سيساعد أنقرة في توسيع دورها كمعقل غربي قوي في المنطقة ويعجل في أمر قبولها عضوا في الاتحاد الأوروبي. لكن الحصة السياسية التي تخيلها أوزال لم تتحقق. إلى ذلك، فإن الحرب كلفت تركيا ما يقرب من أربعين مليار دولار خسائر في دخلها التجاري رغم التعويض اللاحق الذي حصلت عليه من الأمم المتحدة.

--- فاصل ---

وبعد أحد عشر عاما، تغير الوضع داخل تركيا وخارجها، فالقادة الأتراك لا يؤيدون فكرة توجيه ضربات عسكرية للعراق الذي وضعه الرئيس الأميركي جورج بوش على قائمة الدول الراعية للإرهاب والساعية إلى إنتاج وتطوير أسلحة للدمار الشامل. وتريد تركيا من واشنطن ألا تحل القضية العراقية عن طريق استخدام القوة وتقول إنها تفضل اللجوء على الوسائل الدبلوماسية لإجبار صدام حسين على قبول عودة المفتشين الدوليين عن الأسلحة.
ويعتقد مسؤولون في أنقرة أن حربا تقع قرب حدودها الجنوبية قد تعرض للخطر جهود الحكومة التركية الرامية إلى الخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة. كما انهم يظنون أن محاولات عزل الرئيس صدام حسين عن السلطة ربما تؤدي إلى خلق فراغ سياسي يمكن أن يثير الاضطراب في المحافظات العراقية الشمالية التي تقطنها غالبية كردية ساحقة، كما يمكن أن يؤثر أيضا على الوضع في المناطق الكردية في تركيا فيحيي شبح إقامة دولة كردية مستقلة.
هذا ويرى محللون أن هناك أسبابا بناءة أخرى تقف وراء معارضة تركيا دعم ومساندة عمل عسكري أميركي ضد العراق.
حامد بوزارسلان، خبير تركي في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية ومقره في باريس، صرح لإذاعة أوروبا الحرة إذاعة الحرية بأنه يعتقد أن أنقرة ترغب في حفظ توازن القوى في المنطقة تحسبا لأي تمزق أو انقسام يضر بالمصالح القومية التركية.


".. في الحقيقة أن تركيا اليوم هي أكثر تخوفا من تجربة الكرد العراقيين وآثارها المحتملة على المناطق الكردية داخل أراضيها من تخوفها الذي كان عام 1991. ولكنني أعتقد أنها ملتزمة بقوة في الحفاظ على الوضع القائم، أي وجود الدول في شكلها الحالي، وفي منع أي احتمال للتغيير وأي إعادة محتملة لصياغة خريطة المنطقة التي ربما تنتج عن تدخل خارجي.."

بوزارسلان يقول إن هذا التعهد ناشئ من النزعة القومية التي يشعر الخبير التركي أنها استفحلت في السياسة التركية خلال السنوات القليلة الماضية، رغم أن حكومة رئيس الوزراء بلند إجيفيت مستمرة في محاولاتها الرامية إلى تقريب تركيا من الغرب. وهذه النزعة تفسر أسباب القلق الكبير للقادة السياسيين والعسكريين الأتراك من تهديدات وهمية بحسب بوزارسلان.

".. الأتراك يخشون أيضا من أن اتخاذ القرار بالهجوم على العراق أو أي بلد آخر، فإن الدول لن تتمكن حينذاك من أن تكون حرة في اتخاذ قرارات لأنفسها، وأن سياسة التدخل هذه قد تصبح في يوم من الأيام ممارسة عادية ولا يعلم أحد حدودها إذ يمكن أن تمارس ضد تركيا نفسها، من يدري.."

--- فاصل ---

بوش أشار إلى أن من المعروف أن شمال العراق المغطى بواحدة من منطقتي حظر الطيران اللتين فرضتهما الولايات المتحدة وبريطانيا على بغداد بعد حرب الخليج، تسيطر عليه جماعتنا كرديتان متنافستان هما الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يقوده جلال طالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي خلال العشر سنوات الفائتة. فبعد سنوات من القتال ضد بعضهما خطت الجماعتان نحو تطبيع علاقاتهما وخلق جو من الهدوء في المنطقة للمرة الأولى منذ الستينات.
ومنذ العام 1991 يعيش الكرد العراقيون في شمال العراق وتعدادهم ثلاثة ملايين نسمة اكتفاء ذاتيا نسبيا فهم يتسلمون ثلاثة عشر ونصف في المائة، حصتهم، من عائدات النفط العراقي، بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، كما يفرضون ضرائب على التجارة التي تتم عبر الحدود.
وحقيقة أن المنطقة بعيدة عن متناول بغداد عد أمرا ثمينا لأنقرة أيضا فالمتعاقدون الأتراك يساعدون الكرد في بناء البنية التحتية الضرورية كما أن رجال الأعمال الأتراك يشاركون في التجارة مع العراق وإيران ونقل البضائع من منطقة كردستان وعبر الحدود، وهي تجارة محظورة أو غير مشروعة، كما أن قوات الجيش التركي نفذت توغلات دورية في المنطقة بهدف ملاحقة عناصر متشددة من حزب العمال الكردستاني التي هربت إلى كردستان العراق قبل ثلاث سنوات وبعد اعتقال الزعيم الكردي المتمرد عبد الله أوجلان.
ورغم أن أنقرة حافظت على علاقات طيبة مع الجماعتين الكرديتين اللتين ساعدتا القوات التركية في اكتساح حزب العمال فإنها تخشى من أن ينتج تغير القيادة في بغداد تقيد ضمانات للكرد بدور أكبر في رسم السياسات العراقية.
ومع أن الكرد العراقيين عارضوا رسميا الرئيس صدام حسين رافضون في الوقت نفسه أي محاولة أميركية لإطاحته من السلطة، فإن تركيا تخشى من مستقبل غامض محتمل.

--- فاصل ---

ديفيد ماكدول، الخبير البريطاني في الشؤون الكردية، أبلغ مراسل إذاعتنا عدم وجود ما يضمن تغير الوضع في العراق نحو الأحسن في ظل قادة عراقيين جدد حتى وإن تلقوا دعما من واشنطن.

".. رغم أنني أعرف مدى سعادة الكرد بسقوط نظام صدام حسين، ولكن عليهم أن يكونوا واقعيين أيضا. والواقعية تفرض بقوة أنه حتى في حال غياب صدام حسين شخصيا، فإن من غير المحتمل أن تغيب أجهزته والسبب هو أن نظام حزب البعث الحاكم تحت قيادة صدام حسين غير قابل للتغيير، وفي حال حصول تغيير فيه فإنه يطال عددا قليلا من الأسماء أما شبكة الاستخبارات والقوات العسكرية فإنها ستبقى كما هي عليه أيا كان المسيطر على بغداد. والكرد يعرفون جيدا أن أي حاكم في بغداد سينظر إليهم بعين الشك والريبة..".

وفي مقابلة بثتها في الثامن من الشهر الماضي، شبكة تلفزين إن تي في، التركية الخاصة، قال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، ليس هناك من ضمان أن يكون البديل أفضل من صدام.
يشار إلى أن بارزاني أعلن أنه يحاور بغداد من أجل إقامة دولة فيدرالية تشرع حكما ذاتيا للكرد.
وجاء في تعليقات بثتها القناة التركية ذاتها في نفس اليوم، أن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني قوله إن الكرد يفضلون الوضع الحالي على تغيير لا يقبلونه، فصدام حسين على الأقل واقع تحت الضغط والاحتواء فضلا عن أنه معزول وفاقد للقوة فيما الكرد تحت الحماية الدولية، على حد تعبيره.
بوزارسلان، الخبير التركي الذي أشرنا إليه قبل قليل، يعتقد أن أربعة عقود من الحرب أنهكت واستنزفت الروح القتالية لدى الكرد ما دفع سكان شمال العراق للبحث عن السلام ولذلك فإنهم قد يتخلون عن حلمهم بإقامة دولة مستقلة ويكتفون بحكم ذاتي يحمي مصالحهم.

".. يدرس الكرد الآن إقامة دولة مستقلة بمزيد من الحذر. ويخيل لي أنهم سيقنعون أنفسهم بتغيرات تحصل في العراق، حتى وإن كانت تغيرات غير ديمقراطية. لأنني أحسب أنهم ليسوا من النوع الذي يستغفل أو يخدع، بل إنهم سيحافظون على وضعهم الحالي عبر تغييرات أكثر أو أقل هدوءا. أعتقد أن الكرد سيفضلون العيش في عراق معدل على العيش في دولة مستقلة مضغوطة بين تركيا وإيران..".

ماكداول استبعد هو الآخر إمكان إقامة دولة كردية بسبب المعارضة الشديدة جدا التي تبديها دول الجوار تجاه هذا الأمر، وهي معارضة يرى الخبير البريطاني أنها لن تسمح لدولة كردية بالبقاء على قيد الحياة.

".. على الرغم من تعاطفي الكبير مع المشاعر الكردية في شأن حق تقرير المصير، فأنا أعتقد أن إقامة دولة لهم ستتحول إلى كابوس لأن العراق أولا ثم تركيا وإيران سيتنافسون في السيطرة على هذه الدولة وإضعافها من جميع الجوانب بما فيها الاقتصادية وبذلك فإنها ستتعرض إلى ضغط لا يطاق. وأرى أن الحياة بالنسبة للكرد ستكون اسهل مع الدول القائمة إذا استطاعوا الحصول على نوع من الاعتراف يسمح لهم بالعمل والتحرك كونهم كردا."

إلى ذلك، ربما تشكل التجربة المريرة للكرد سببا آخر لتوضيح امتناع كرد العراق عن تأييد عملية عسكرية أميركية ضد صدام حسين.
وخلال حرب الخليج وما بعدها شجع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش كلا من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على القيام بعصيان مسلح ومشترك ضد حكومة بغداد بهدف مساندة هجوم التحالف الدولي على جنوب العراق. لكن واشنطن قررت وقف تقدم قواتها نحو العاصمة العراقية تاركة الكرد يواجهون مصيرهم بعد السماح للقوات العراقية بسحق التمرد وقمعه.
ماكدول يرى أن الجروح التي أصابت الكرد في الماضي لم تندمل بعد.

".. أعتقد أن الكرد يعلمون جيدا أن الولايات المتحدة حليف غادر جدا كما انهم يعرفون أن الولايات المتحدة موجودة هناك تلبية لمصالحها وسياساتها وليس لسواد عيون الكرد. إن الحقيقة الدائمة بالنسبة لكرد العراق هي بغداد وليس واشنطن. ولذا فإنهم لن يسووا مستقبلهم على المدى الطويل بالنيابة عن واشنطن.."

وفي إشارة إلى حرب الخليج قال كل من بارزاني وطالباني إنهما هذه المرة لن يأخذا بأوامر تأتي من القوى الكبرى.كما انهما أوضحا أيضا أنهما لن يؤديا العمل الذي أوكل بالمعارضة الأفغانية لحركة طالبان بحيث يصبحا قوة احتياطية في عملية عسكرية أميركية لإطاحة صدام حين.

على صلة

XS
SM
MD
LG