روابط للدخول

الملف الثاني: العلاقات الثنائية بين العراق وإيران


سامي شورش أين تتجه العلاقات الثنائية بين العراق وإيران بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية العراقي الى طهران. في إطار هذا السؤال أعد سامي شورش التقرير التالي الذي يتحدث فيه الى خبير أميركي من أصل إيراني.

أثارت زيارة وزير الخارجية العراقي الى طهران قبل ايام جملة أسئلة حول واقع العلاقات العراقية الايرانية وآفاقها المستقبلية. هذه العلاقات التي تميزت طوال ربع القرن الماضية بتوتر حاد وصراعات دامية.
خلال السنوات القليلة الماضية، وفيما أصبحت الدولتان معرضتان الى عقوبات أميركية ودولية شديدة، وحُشرتا سوية في إطار سياسة الإحتواء المزدوج الأميركية، بدت الآفاق وكأنها تنم عن فرصة جديدة أمام طهران وبغداد لتطبيع العلاقات وتجاوز مخلفات الماضي بكل دمائها وصعوباتها وتعقيداتها. لكن على رغم ذلك، ظلت الدولتان بعيدتين عن تعاون وثيق وتطبيع ميداني وتعاون ثنائي. بل أن الخلافات بينهما بدأت تتكثف من جديدة حول مسائل حيوية بينها دعم العاصمتين لحركات المعارضة ضد بعضهما البعض، مسألة التعويضات وأسرى الحرب. وأخيراً المواقف المتناقضة للدولتين حيال القضايا الأمنية والإقليمية والدولية.
زيارة الحديثي بدت وكأنها بمثابة إنفتاح كوة جديدة في علاقات الطرفين. فقبل الزيارة بفترة جد قصيرة أقدمت الدولتان على إطلاق متبادل لعدد من أسرى حرب عام 1980 – 1988. وكانت بغداد في السابق تنفي وجود اسرى ايرانيين لديها عدا أحد الطيارين الايرانيين. في المقابل أعلنت الخارجية الايرانية استعدادها للتوسط بين بغداد والكويت لإيجاد حل لقضية أسرى حرب الكويت. ثم جاءت الزيارة لتشكل فرصة مناسبة أمام الايرانيين لإبداء ترحاب بالغ بالوزير العراقي. وكان استقبال الرئيس محمد خاتمي لـ (الحديثي) إشارة واضحة في هذا الإتجاه.
فيما الحال على هذه الشاكلة، يصح التساؤل عن الاسباب الحقيقية التي تدفع بالبلدين الى إبداء حماس لافت في هذا الوقت الإقليمي والدولي بالذات لتطبيع العلاقات بينهما؟
الخبير السياسي الأميركي الإيراني الأصل شهرام جوبين مدير المعهد الدولي للدراسات الامنية والاستراتيجية في سويسرا رأى أن إحتمالات تعرض العراق الى حرب أميركية ورغبة طهران في التعبير عن معارضتها للوجود الأميركي في المنطقة هما السببان الرئيسان وراء التقارب الايراني العراقي الجديد:

"أعتقد أن توقيت التقارب بين الدولتين له علاقة بالعراق الذي يحاول تجنب ضربة عسكرية أميركية لقناعته بأنه قد يتحول الى هدف مقبل في نطاق الحرب الأميركية الجارية ضد الارهاب. لذلك نجد أن للعراق مصلحة في الإنفتاح على الدول المجاورة ومحاولة الحد من التوترات مع هذه الدول.
أما بالنسبة الى ايران، فإن طهران من ناحيتها تريد إبلاغ الأميركيين بأنها غير راضية عن وجود قوات عسكرية أميركية في جوارها، في أفغانستان ومنطقة الخليج. أعتقد أيضاً أن طهران تحاول الإستفادة من أي استعداد تبديه بغداد للإنفتاح والتطبيع.
لكن مع هذا يجب أن نعرف بأن الإقتصار على حل خلاف واحد غير كاف في حد ذاته لتصفية الأجواء."

لكن التكهنات لا تشير الى أن العراق وحده قد يتعرض الى حرب أميركية. فهناك قائمة الارهاب التي أعلنتها الخارجية الأميركية والتي تضم العراق وايران بين ما تضمها من دول. وهناك أيضاً التلمحيات التي تبديها أوساط أميركية غير رسمية في شان رعاية طهران للإرهاب.
ألا يمكن اعتبار هذه الحالة في حد ذاتها سبباً كافياً لتجاوب طهران مع رغبات بغداد في التقارب والتطبيع؟
شهرام جوبين يرى أن ايران ليست معرضة لتهديدات عسكرية أميركية، على رغم أن واشنطن قد تستخدم في مرحلة ما ضغوطاً سياسية وديبلوماسية لمعالجة الملف الايراني:

"أعتقد أن الايرانيين يجب أن يأخذوا في الحسبان إمكان تحولهم في مرحلة مقبلة، الى هدف أميركي. لكن هذا الأمر قد لا يدعو سوى الى ممارسة واشنطن ضغوطاً ديبلوماسية وسياسية ضد طهران. أما الضغط العسكري، فإنني أعتقد بأنه خيار غير وارد في حالة ايران. الموضوع كله أن الايرانيين يريدون أن يؤكدوا علناً بأن لديهم خيارات بينها خيار التعاون مع العراق، وأنهم ليسوا في مأزق."

المعارضة الاسلامية الشيعية العراقية في ايران، ومنظمة مجاهدين خلق الايرانية في العراق، تشكلان عقبة كبيرة أمام تطبيع العلاقات الثنائية بين بغداد وطهران. والواقع أن الجهود التي بذلتها الدولتان طوال السنوات العشر الماضية للتوصل الى حل عملي لخلافاتهما إصطدمت على الدوام بعدم رغبتهما في التخلي عن دعم المعارضة المعادية للدولة الأخرى.
لكن هل تغير شيء؟ هل يمكن لطهران أن تتخلى عن دعمها وتأييدها لجماعات المعارضة الاسلامية العراقية ضد نظام الحكم في بغداد؟
الخبير الأميركي من أصل ايراني جوبين اعتبر رداً على سؤال في هذا الصدد إن من الخطأ أن تتخلى ايران عن جميع أوراق ضغطها في مقابل بغداد قبل التوصل الى تسوية نهائية وشاملة بين الدولتين:

"من الصعب معرفة ما تريده الحكومة الايرانية. بل إن الحكومة نفسها لا تعرف في كثير من الحالات ماذا تريد؟ وذلك نتيجة الإنقسامات الموجودة في صفوفها.
لكن في شكل عام أعتقد بأن طهران سترتكب خطأً إذا تخلت عن أي ورقة من أوراقها الى حين التوصل الى تسوية شاملة ونهائية مع بغداد.
في الحقيقة، لا يمكن إعتبار دعم المعارضة في البلدين سوى جزءاً من المشكلة. إذ هناك خلافات ومشاكل عدة بين الدولتين مثل قضية أسرى الحرب ومسألة التعويضات. وهناك أيضاً المطلب الايراني الخاص بضرورة اعلان بغداد موافقتها على اتفاقية الجزائر عام 1975 الخاصة بترسيم الحدود بين الدولتين."

خلال زيارة الحديثي الى طهران ومحادثاته مع كبار المسؤولين الايرانيين ترددت تقارير مفادها أن الحكومة الايرانية وعدت الوزير العراقي بمساعدة العراق سياسياً وإنسانياً في حال تعرضه الى ضربة عسكرية أميركية. لكن في الاجواء الإقليمية والدولية الراهنة، هل تملك ايران قدرة فعلية ملموسة على مساعدة العراق على الصعيد السياسي؟ خصوصاً أن طهران من ناحيتها تعاني شكلاً من اشكال العزلة السياسية الدولية والاقليمية؟

"يمكن لايران أن تساعد العراق عن طريق التعبير عن معارضتها الشديدة لتوجيه أي ضربة عسكرية الى بغداد. أما في ما يتعلق بالوسائل التي يمكن لإيران أن تقدم من خلالها هذه المساعدة، فأستطيع القول بشكل عام أن لدى طهران نوايا ورغبات تفوق الوسائل المادية المتوفرة لديها، ذلك أن قدرتها على التعامل مع القضايا الإقليمية محدودة جداً، ولا تستطيع مدّ يد المساعدة السياسية الى الدول الإقليمية.
أعتقد أن التحركات الايرانية الأخيرة في إتجاه العراق ليست سوى تعبير عن حُسن النوايا، ولا تؤشر الى قدرتها الفعلية على المساعدة في شكل مفيد."

أخيراً، هل يمكن توقع مستقبل من العلاقات المتطورة بين الدولتين المتجاورتين؟ هل يمكن لإيران والعراق تجاوز إرث الخلافات بينهما والتوصل الى حل نهائي وشامل وثابت للمشكلات العالقة؟
الخبير الاميركي من اصل ايران شهرام جوبين رأى أن إستمرار الرئيس صدام حسين في حكم العراق يغلق الباب أمام أي أمل في هذا الإتجاه:

"من الصعب أن يتوقع المراقب إحلال سلام نهائي بين العراق وايران بينما صدام حسين في السلطة. أعتقد أن ساسة ايران يظلون يشعرون بإفتقاد الأمن في ظل إستمرار صدام حسين في حكم العراق."

على صلة

XS
SM
MD
LG