الأربعاء 27 آب 2014 التوقيت المحلي: 17:52

برامج / ايام الخير

حمام السوق

النورةخانة وشاي دارسين والمدلكجي والحمامجي.. صور وذكريات جميله يحملها العديد عن حمام السوق.

حمام تاريخي في إحدى دول الشرق الأوسطحمام تاريخي في إحدى دول الشرق الأوسط
x
حمام تاريخي في إحدى دول الشرق الأوسط
حمام تاريخي في إحدى دول الشرق الأوسط

وسائط متعدّدة

صوت
لاشيء آسف عليه في المجتمع الحديث كأنقراض حمام السوق. اصبح كل منا يملك حمامه الخاص في بيته و لا يكلف نفسه بالذهاب اليها. وهو شيء ادى الى تركيز روح الفردية. كان حمام السوق بمثابة نادي يلتقي فيه المرء بأصحابه و يتساوى فيه الجميع فكلهم عراة ، لا تعرف من هو الأمير و من هو الفقير. نشأت عن حمام السوق تقاليد غزيرة و تمثلت بكثير من الأمثال و الأشعار الشعبية. الغريب ان احدا من الزملاء لم يكلف نفسه بدراسة ذلك، مثلا اثر الحمام على الأدب العربي، او دور المدلكجية في الثقافة الحديثة، او الحمامات و الحركة الوطنية .
 ذكرني بهذا الموضوع صديقي ابو فاضل. كنت استمع للتصريحات المؤيدة لصدام حسين ، فقال : " الصيت للنورة و الفعل للزرنيخ". يقصد ان تلك التصريحات صدرت بأسم القومية، و لكن القوة الحافزة لها كانت الدولارات التي قبضوها منه. لفت نظري المثل ، فهو يعود بنا الى حمام السوق. فهناك زاوية فيه تسمى بالنورة خانة ، يستخدمها الرجال لأزالة الشعر بواسطة " دوا الحمام" ، المسحوق المتكون من خليط النورة و الزرنيخ. الزرنيخ هو الذي يزيل الشعر ، و النورة مجرد مادة مخففة محايدة. و لكن المكان سمي بأسمها في حين ان الفعل للزرنيخ.

توجد ايضا منطقة خارج الحمام كانت توقد منها النار و يفرغ فيها الرماد تسمى بالطمة . كان هناك حمال يقوم بتحميل الرماد على الحمار لردمه خارج المدينة . و يعود فيحمل الدابة بما يجد في طريقه من فضلات لحرقها كوقود. و هكذا يقضي الحمار نهاره اما محملا بالرماد او بالأزبال التي يعود بها. قلما يفرغ من الحمل ذهابا و ايابا. و لهذا سمي الرجل المشغول دائما و السائر دائما على نفس الرتابة بحمار الطمة.

حمامات السوق النسائية تتميز بضوضائها. تصوروا خمسين امرأة عارية معهن خمسون طفلا يتراكضون في كل اتجاه يبحثون عبثا بين النسوة العاريات عن امهم. هذا يصرخ لأن امه صبت عليه ماء حارا وذاك يصرخ لأنها صبت عليه ماء باردا. و الثالث لأن الصابون دخل في عينيه. " مثل حمام النسوان" ، اصبح التعبير الشعبي عن أي مكان يغص بالضوضاء و الفوضى. لابد لهذا التجمع من الأجسام العارية في هذا الجو الساخن ان يثير الكثير من الطرائف ، و منها حكاية هبنق الأحمق. ارادوا ان يداعبوه فجعلوا رجلا يلبس ملابسه اثناء غيابه في الحمام. و عندما خرج وجد هذا الرجل بثيابه فتحير في الأمر ثم سأله : " انت انا. فمن انا؟"

كانت اجرة الحمام في الثلاثينات درهما . كان هذا مبلغا كبيرا بالنسبة لكثير من الناس. و اصبح التهرب من الدفع بالتحايل على الحمامجي شاغل الكثيرين، و منهم عبود شرطي المنطقة. توصل هذا الى اسلوب ناجح في هذا الصدد. ما ان يخرج من الحمام و يذهب للبس ملابسه حتى يصرخ قائلا : " الله اكبر ! وين جواريبي؟ من سرقها؟" و يروح يقلب كل شيء رأسا على عقب و ينشر الفوضى في المكان ، يصرخ و يشتم و يكفر، حتى يعتذر له الحمامجي و يتوسل به للخروج بدون دفع الأجرة. و هكذا مرة الجوارب ، و مرة السدارة ، و مرة الحزام الى ان تضايق القوم من حيله. فقال له الحمامجي " يا اخينا روح الى مكان آخر. ما نسمح لك تتحمم هنا. كل يوم تدعي بضياع حاجة."
اسقط في يديه فتعهد لهم الا يفعل ذلك مهما حدث و مهما ضاع منه شيء سيسكت و يخرج بسلام . قبلوا تعهده فسمحوا له. و لكنهم سريعا ما قرروا عمل مقلب عليه. ما ان دخل الحمام حتى اخفوا ملابسه و لم يتركوا له غير الجزمة و الصفارة. خرج من الحمام فلم يجد غير ذلك. لم يعرف ماذا يقول و قد وعدهم بالسكوت. و لكنه لبس الجزمة و علق الصفارة على رقبته و خرج اليهم هكذا و قال: " يا جماعة انا عاهدتكم ان ما ادعي بأي سرقة. و لكن اسألكم بالله، هل يجوز لشرطي ان يخرج و يقوم بشغله عريان هالشكل؟"
فضحك القوم و اخرجوا له ملابسه و طيبوا خاطره بفنجان شاي دارسين.

بالطبع كان معظم الناس يذهبون للحمام للأغتسال من الجنابات بعد مخالطة زوجاتهم. ترتبت على ذلك بعض الملابسات، كان الواحد اذا ذهب و اخذ حماما لهذا الغرض ، خرج و توجه الى المقهى ليلتقي بأصحابه. يحمل معه الليفة المبللة و ينادي على النادل بأعلى صوته : " يا ولد خذ الليفة و حطها على الموقد حتى تيبس." يكون اصحابه قد ادركوا ما قام به قبل سويعات في البيت، فيهمهمون له مهنئين : " نعيما ابو علي!" فيفتل شاربيه ويرد عليهم بفخر و اعتزاز " الله ينعم عليكم."

للأطفال الذكور مشكلة خاصة في حمامات السوق. يبدأون اولا بأمهم تصطحبهم اليها. و لكن ما ان يتجاوز الولد الثالثة او الرابعة حتى يمنعونه من الدخول. عليه ان يذهب مع والده الى حمام الرجال. يقولون انه " بدأ يفتهم!" كثيرا ما يواجه الطفل ازمة في هذه المواقف. كانت والدتي تأخذني معها. وفي احد الأيام نظرت الحمامجية الي نظرة شك ثم قالت لأمي : " لا. هذا لا يجوز. هذا الولد ابنك يفتهم. ما يصير يخش هنا." لم اعرف ما الذي بدأت افتهمه ليمنعوني من الحمام. و لكن والدتي دخلت في محاججة طويلة مع الحمامجية و الحمامجية تشير الى بعض الشعرات على وجهي وغير ذلك من الملامح. اخيرا قالت ادخليه اليوم و لكن لا تأتين به مرة اخرى. و هكذ انتهى عهدي بحمامات السوق و ايامها الخير.