روابط للدخول

يعاني نحو مليونَي شخص في العراق حالات عجز واعاقة مختلفة. وان الحالة المادية لمعظمهم لا تمكنهم من تأمين ما يحتاجونه من خدمات أساسية، بما في ذلك مرافق التأهيل.

وأطفال العراق جزء من هذه الشريحة الكبيرة. وقد تنوعت أسباب إعاقاتهم ما بين اصابات نتيجة انفجار ألغام أرضية، أو أعمال إرهابية، أو سوء التغذية والأمراض المزمنة، والأضرار البيئية والأخطاء الطبية.
سجى


الطفلة رواء التي لم تتجاوز ربيعها الخامس، أصيبت بشلل كلي. تشرح والدتها أمل ناصر معاناتها بالقول: "أصيبت طفلتي رواء بشلل كلي نتيجةَ حقنها عام 2006 في منطقة الدورة بلقاح ملوث من قبل مجموعة ارهابية. وقتها كان عمرها لا يتجاوز العامين عندما جاءت فرقة تبين انها كانت وهمية لتطعيم الأطفال إلى منطقتنا، وبعد تعاطي رواء جرعة اللقاح ساءت حالتها الصحية، وارتفعت درجة حرارتها إلى حد خطير، الأمر الذي أستدعى اصطحابها لمستشفى حميات الأطفال للكشف عن حالتها، فحاولوا وقتها أخذ عينة من نخاعها ألشوكي، فأصابوا النخاع لتصاب طفلتي بشلل كلي وتدمر حياتها بالكامل".

وشكت والدة رواء من حال طفلتها، وعدم اعارة الجهات المعنية أي اهتمام بالموضوع، كونها ضحية حادث إرهابي، وقالت أنها لا تستطيع توفير علاج طفلتها المكلف، خاصة بعدما أكد لها الطبيب المختص أن رواء إذا لم تحصل على العلاج ستصاب بتصلب في العظام.

حالة عوق غير معروفة طبياً

أما الطفل أنس ماهر الذي لم يتجاوز ثلاثة أعوام من عمرها، فان عوقها يعود
أنس ووالدته
لأسباب أخرى، إذ ولد الطفل بعوق خَلقي. تقول وادته هدى كامل "بعد ولادة أنس ظهر تقوس في ظهره وصدره وساءت حالته حتى بات لا يستطيع الحركة والقيام. راجعت مستشفيات العاصمة بغداد وعرضت حالة الطفل على مختلف الأطباء الذين أشاروا بدورهم إلى أن حالة الطفل جديدة وغير معروفة طبياً، ونصحني الاطباء أن لا أجهد نفسي في محاولة لإيجاد علاج لطفلي، لأنه لن يبقى حياً لأكثر من ثلاثة أعوام. وانا لم أتلق أي دعم أو راتب من قبل أي جهة معنية بأمر المعوقين".

وتعيش هدى كامل التي لم تتجاوز العقد الثالث من عمرها هي وطفلها المعاق على معونة والدها، إذ أنها مطلقة وان زوجها السابق لا يكلف نفسه عناء السؤال عن حال ابنه أنس.

الاندماج في المجتمع

قال عدد من ذوي المعاقين ان الإشكال يكمن في علاقتهم مع الجهات المختصةْ، وتحديدا الرعاية الاجتماعيةْ، إذ أن معظمهم لا يتسلم المنحة الشهرية التي تبلغ خمسين ألف دينار عراقي، بينما الذين يستلمون هذه المنحة يواجهون عناء كبيرا أولها أن راتب المعاق يمنح كل ثلاثة أشهر.
مي محمد فاضل

وتؤكد المعاقة مي محمد فاضل، أن من أهم المشكلات عدم استلام المعاقين لرواتبهم في موعد ثابت على الرغم من انها تمنح لهم كل ثلاثة أشهر، وقالت "دائما ما نراجع الدوائر المعنية لاستلام رواتبنا ليؤكد لنا العاملون أن المنحة لم تطلق حتى الآن".

واوضحت مي محمد فاضل انه "لاتوجد أي تسهيلات للمعاقين أو أماكن مخصصة لهم، فهناك معاناة كبيرة لدى مراجعاتنا دوائر الدولة لاستكمال بعض المعاملات، وأفاجئ كيف يتعامل معي موظفو تلك الدوائر والمؤسسات وكأني شخص سليم وغير معاق ودائما ما يعرقلون سير المعاملة وإرسالي لأكثر من طابق أو مكان لاستكمالها".

وهنا لا بد من ملاحظة وضع المعاق عندما يحاول الاندماج في مجتمعه وما يلاقيه من معاملة سيئة.

فنور حسين قاسم فتاة في العقد الثاني من عمرها مصابة بقصر القامة تقول: ما يواجهني من معاناة هي نظرة الآخرين لي. فالجميع لا يحبذ رؤيتي ودائما ما يسخرون مني بعبارات جارحة.
نور حسين قاسم
وتساءلت "ما ذنبي أنا وقد خلقت هكذا؟ وهل على المعوق أن يقضي حياتَه من دونِ هدف؟، ألم نسمع ونرى ما يحصل في بلدان العالم، وما يقدم للمعاقين من خدمات؟ أليس من حقِّنا أن تعيش كباقي البشر؟!".

صفوف أمام مقرات جمعيات اهلية

المار امام مقرات منظمات خيرية أهلية غالبا ما يشاهد صفوفا من ذوي المعاقين واصحاب الاحتياجات الخاصة وهم يقفون أمام تلك المقار طمعا في الحصول ولو على اليسير من الدعم.

وتؤكد والدة الطفل علي دريد المصاب بضمور في الدماغ حسب ما أكده أطباء واختصاصيون نتيجة تلوث البيئة بسبب الحروب "اعاني من عدم القدرةا على توفير مستلزمات الطفل واحتياجاته بسبب سوء الحالة المادية، فوالده سائق سيارة أجرة بأجور يومية، مما نضطر إلى اللجوء للمنظمات المدنية لمساعدتنا بين ألحين والآخر لتوفير ما يحتاجه. أناشد الجهات المعنية بالالتفات إلى معاناة أهالي المعاقين".

كثيرة هي المطالبات والمناشدات التي تحملها رسائل المعاقين إلى الجهات المعنيةْ. فوالدة الطفلة رانيا المصابة بضمور في الدماغ وصرع منذ ان كانت في الشهر التاسع من عمرها، قالت ان الاعوام الستة التي مرت عليها وهي تحاول إيجاد حلً لطفلتها أدخلت اليأس الى قلبها لأن عليها أن توفر كل ما تحتاجه هذه الطفلة التي تعيش محلول طبي مغذ. ووصفت صعوبة حالهم ألمعاشي، متسائلة "هل يتوجب علي أن استجدي المال بين فترة وأخرى من هنا وهناك لأحافظ على حياة طفلتي؟!".

قسم التأهيل والوقاية من العوق

مدير عام دائرة العمليات الطبية والخدمات المتخصصة في وزارة الصحة جاسم لطيف علي أكد أن ثمة 13 مركزا تأهيليا في العراق عدا إقليم كردستان، كما ان هناك 13 مصنعا وورشة للأطراف الاصطناعية والمساند موزعة على بغداد والمحافظات، وهناك مستشفى ابن القف في بغداد، ومستشفى دجلة في محافظ صلاح الدين والمستشفيان مختصان بمعالجة إصابات الحبل ألشوكي.

واضاف جاسم نصيف علي ان دائرته "مرجع فني واستشاري لكل خدمات التأهيل والوقاية من العوق ويؤمن متطلبات التأهيل الطبي من مستلزمات ومعينات ومواد صناعة الأطراف والمساند ووضع السياقات والضوابط الخاصة بصرفها، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتوفير المتطلبات الحياتية والاجتماعية التي تسهل زج المعوق بالمجال بصورة طبيعية وفعالة. كما إن من أهم أهداف قسم التأهيل والوقاية من العوق توفير الرعاية الطبية الفعالة وتوفير خدمات التأهيل للمعوقين لكي يتسنى لهم بلوغ المستوى الأمثل فيما يتعلق باستقلاليتهم وأدائهم والحفاظ على ذلك المستوى".

مليونا معاق في العراق

وكشف مدير قسم التأهيل والوقاية من العوق في وزارة الصحة عبد الناصر كامل أ
ان عدد المعوقين في العراق قد ارتفع بصورة كبيرة نظرا للظروف التي مرت بها البلاد من حروب متتالية، وحصار اقتصادي، وما اعقب عام 2003 من تفجيرات وعمليات إرهابية والواقع الأمني الهش، كل ذلك أدى إلى أن يصل عدادهم وفق التقديرات الأولية إلى أكثر من مليوني معاق في العراق، مشيراً إلى أنه يصعب تحديد الأرقام التفصيلية لأنواع العوق وأسبابه لعدم توفير إحصائيات دقيقة في هذا المجال.

وتابع عبد الناصر كامل قوله "أن تقديم الخدمات الطبية لهذه الشريحة الواسعة يشكل تحديا كبيرا لوزارة الصحة، ونحن نحاول أن نواجه هذا التحدي بفعالية. وأن أعداد المعوقين أدى إلى أحداث ضغط وزخم كبير على الخدمات التي توفرها وزارة الصحة علما أن ما تقدمه الوزارة هي خدمات مجانية".

وأكد عبد الناصر كامل "أن قسم التأهيل في دائرة العمليات الطبية لم يقتصر دوره على تقديم الخدمات وإنما تعداه إلى تشريع القوانين في محاولة لتسهيل اندماج المعاق في المجتمع، إذ تم اقتراح قانون: الهيئة الوطنية لشمول المعوقين عام 2009 وتم رفعه إلى مجلس شورى الدولة لمراجعته وعرضه على مجلس الوزراء لبحث إمكانية إقراره وتطبيقه، لأن مثل هذا القانون سيكفل دمج المعاق في المجتمع للفترات القادمة".

الدستور العراقي واتفاقيات دولية

على الرغم من أن العراق هو إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لحقوق المعاقين، إلا أنه لم يصادق عليها حتى الآن.

الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسانِ حمدية جبر اوضحت ان هذه الاتفاقية تضم خمسين مادة تحافظ على حقوق المعاق وتؤمن له العيش على قدر من المساواة مع الآخرين، مشيرة إلى ان منظمات المجتمع المدني العراقية تجتهد منذ أعوام في الضغط على الحكومة للمصادقة على الاتفاقية الدولية.

واضافت حمدية جبر أن "للمعاقين مطالبات من الجهات المعنية أولها الرغبة بتشكيل هيئة خاصة تعنى بحقوقهم وتحافظ عليها، وهناك الكثير المطالبات منها بخصوص المصابين بالذهول العقلي من الأطفال الصغار الذين يعانون من عدم وجود مدارس خاصة تؤهلهم للدراسة والاندماج في المجتمع".
حمدية جبر


وتقول حمدية جبر ان "المادة السادسة من إلاتفاقية الدولية التي تمنح للمرأة المعاقة كافة حقوقها لكن مجتمعنا لايعترف بما يخص المرأة المعاقة وذلك بسبب التقاليد العشائرية التي لا تسمح لخروج المعاقة أو اندماجها في المجتمع، وتجد هذه التقاليد أن حجز المعاقة في زاوية أو ركن من المنزل أفضل لها".

واشارت حمدبة جبر الى أسباب العوق نتيجة الحروب وحوادث الإرهاب التي تعرض له العراق، ولفتت الى ان "على الدولة أن توفر مراكز ترفيهية وخدمية وفرص عمل للمعاقين لاندماجهم في المجتمع حتى يشعروا بأنهم لا يختلفون عن الآخرين."

ودعت الى "توفير خطوط انترنيت مجانية للمعاقين ليستطيعوا التواصل مع العالم وليشعروا بوجودهم"، مؤكدة "ضرورة التزام الجهات الرسمية بقوانين الدستور العراقي وتحديدا المادة (32) التي تضمن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في العراق، والسعي لتأسيس هيئة مختصة بهم"،

وشددت على "ضرورة الالتفات لمعاناة أسرهم في توفير احتياجات أبنائهم المعاقين وإطلاق رواتب النساء المعاقات"، موضحة "ان عددا كبيرا من هذه الشريحة يعانون من اضطرابات نفسية أثرت سلباً على علاقاتهم الأسرية، وذلك لشعورهم بأنهم عالة على المجتمع".

المادة 32 من الدستور معطلة

الدستور العراقي نص في مادته 32 على أن "ترعى الدولة المعاقين وتكفل اندماجهم بالمجتمع"، إلا أن مراقبين وناشطين أكدوا أن هذه المادة معطلة.

عضوة لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب أشواق الجاف تقول بهذا الشأن "هناك قوانين معطلة تخص شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن مجلس النواب حالياً بصدد تشريعها وتعديلها ومن ثم نشر ثقافة معاونة المعاقين ومساعدتهم، إضافة إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان بما يخص هذه الشريحة في المدارس والجامعات، ومحاولة تأهيل المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة لدمجهم في المجتمع وفق آليات جديدة وحديثة".

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG