روابط للدخول

انتهت قصة علاقة شاب بفتاة في إحدى مناطق بغداد نهاية مأساوية، أي بجريمة استخدمت فيها السكاكين ليقتل الشاب على الفور الشاب واخو الفتاة في مشهد لا يمكن رؤيته إلا في الأفلام البوليسية. لكن الشيء الوحيد الذي يختلف في هذا الفلم البوليسي، العراقي، هو عدم تدخل الشرطة، على الرغم من وجودها في مسرح الجريمة مكتفية بالقول اذهبوا إلى عشيرتكم لفض النزاع...وليكن الفصل العشائري هو الحكم.

فالى تفاصيل القصة وكيف ارتكبت الجريمة ترويها إحدى قريبات الفتاة:

"تعرف الشاب على الفتاة وبدأت علاقتهما ولم تربطه بها صلة القرابة (وحبهما كان حب تالي وكت). تطورت العلاقة بينهما واغتصبها، وبعد معرفة أهل الفتاة، صار هناك لقاء بين العشيرتين وفض النزاع عن طريق الفصل العشائري ودفعت عائلة الشاب مبلغا من المال لعائلة الفتاة، وتحذير الشاب من عدم الاقتراب من الفتاة، وان فعل فسوف يهدر دمه. حاول الشاب بعد أيام لقاء الفتاة في المنطقة التي تسكن فيها، خوف الفتاة من اللقاء وصراخها كان السبب في هجوم أخ الفتاة على الشاب وطعنه بالسكين، تمكن الشاب قبل دقائق من مفارقة الحياة بإخراج السكين وطعن اخ الفتاة بقلبه ليموت الآخر بالحال. رفضت الشرطة التدخل بعد معرفتها ان النزاع وصل الى درجة تدخل العشائر وسيكون فيها فصل عشائري وطلبت من العائلتين إخلاء الجثث من الشارع خاصة بعد تأكيد عائلة الفتاة ان دم ابنهم لن يذهب هدرا وان لا الدولة ولا الشرطة ولا الحكومة لها الحق الآن بالتدخل وان الحل سيكون بيد العشيرة...هذا ما حدث.
تدخل العشائر والفصل العشائري اصبح ظاهرة بدأت بالانتشار بالرغم من التأكيدات ان العراق الان هو دولة قانون وسلطة في حين لم نسمع في السابق وقوع مثل هذه الحوادث...أرجو ايصال صوتي لوضع حد لهذه الحالات لانها ليست الأولى".


كتب أستاذ علم الاجتماع علي الوردي عن الشخصية العراقية انها شخصية تعاني من الازدواجية وتحمل قيم متناقضة هي قيم البداوة (أي العشيرة) وقيم الحضارة بالرغم من ان البداوة والحضارة تتعاكس فيهما الكثير من القيم الاجتماعية، وان القيم البدوية تستفحل او تتقلص تبعا لضعف الدولة أو قوتها.

فإذا قويت الدولة وهي أساس الحضارة، فانها تستطيع قمع النزاع الداخلي وبسط القانون وبالتالي يزدهر البلد وينهمك الناس في حرفهم بلا خوف وفي النتيجة تتقلص القيم البدوية لتحل محلها القيم الحضرية. أما اذا كانت الدولة ضعيفة ولا تستطيع حماية ارواح الناس واموالها، يلجأ المجتمع الى القيم البدوية (العشائرية) والتمسك بها فتزداد العصبية القبلية وتسيطر عادات القبيلة على التركيبة الاجتماعية.

ووصف الوردي هذه الحالة بظاهرة المد والجزر. وان مشكلة العراق انه حين ينحسر عنه المد البدوي لا يستطيع ان يتكيف للحضارة سريعا ويبقى متمسكا بقيمة البدوية زمنا يقصر او يطول تبعا للظروف وخلال هذا الزمن يحدث الصراع بين القيم الجديدة والقديمة وقد تظهر جراء ذلك مشكلات اجتماعية لا يستهان بها.

لكن لا أحد ينكر الدور المهم للعشيرة في تنظيم امور حياتية كثيرة في بلد تُعتبر تركيبته الاجتماعية أصلا عشائرية وقبلية، ولم يكن العراق بعيدا عن الاهتمام بعشائره حيث شكلت دوائر وهيئات رسمية ومجالس تهتم بشؤونها، ودعم عشائره ماديا ومعنويا بل وحتى قام بتسليحها.

المدير العام لشؤون العشائر في وزارة الداخلية اللواء مارد حسون أعتبر العشائر سندا قويا للقوى الأمنية وترعى الحق والعدل وان تقاليد وأعراف العشائر مهمة وشريفة. وتحدث مارد عن الفصل العشائري ودوره في حل مشاكل اجتماعية وفض نزاعات عائلية، وتعويض المتضررين، لكنه ذكر ان بعض الشيوخ بالغوا في موضوع الدية التي أصبحت خيالية.

أصبحت المطالبة بالثأر ظاهرة منتشرة بين العشائر وفي كثير من الأحيان تتمكن عائلة المجني عليه من قتل مرتكب الجريمة إذا لم تقبض الأجهزة الأمنية عليه.

وذكر المدير العام لشؤون العشائر في وزارة الداخلية اللواء مارد حسون ان الفصل العشائري ينهي موضوع الثأر ويساعد على عدم تفاقم الصراع بين أطراف النزاع، مؤكدا ان القانون يأخذ مجراه في جميع الأحوال وان الفصل العشائري لا يعني إفلات مرتكب الجريمة من العقاب بل هو مجرد محاولة لإرضاء أطراف النزاع.

ولكن يؤكد مراقبون ان صعود العشائر وبسط سلطتها ونفوذها أصبح له دور سلبي في انتشار عادات وتقاليد غير حضارية. الناشط والحقوقي حسن شعبان وصف تدخل العشيرة في حل النزاعات بانه عمل غير مشروع، وشدد على أهمية ان يطبق القانون بعيدا عن تدخل العشيرة.

وقال شعبان ان أهم مبدأ من مبادئ حقوق الانسان، عدم الإفلات من العقاب، وان مبادئ حقوق الإنسان لا تؤمن بقانون العشائر.

عامر التميمي أحد شيوخ عشيرة التميم ذكر ان الفصل العشائري كان موجودا في السابق وسيبقى بسبب الدور المهم الذي يقوم به في حل النزاعات وخاصة جرائم القتل.

أما الشيخ حميد الهايس رئيس مجلس انقاذ الانبار فقال ان هناك الكثير من الخطأ والغبن والظلم في الأعراف القبيلة ووصف تدخل العشيرة بانه ممارسة غير حضارية وتمنى ان يسود القانون.

وأكد أحمد الخفاجي وكيل وزارة الداخلية لشؤون الإسناد ان العراق يمر بمرحلة تعزيز القانون الذي سيكون له أثر كبير في حسر هذه التقاليد والأعراف العشائرية.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي ساهم في إعداده مراسل إذاعة العراق الحر في بغداد خالد وليد
XS
SM
MD
LG