روابط للدخول

تميزت العاصمة العراقية في عهود ايام الخير بتنوع وتعدد مذاهبها واديانها. وهو أمر يرجع في الواقع لعصور الامبراطورية العربية يوم أخذت بغداد تستقطب شتى ألاجناس من جوانب هذه الامبراطورية الواسعة الارجاء. وكان بينهم الفارسي والهندي والكردي وهلمجرا. ومنهم تخرج الكثيرون من علماء الدين واللغة.

احتل الشيخ عبد القادر الكيلاني مكانة خاصة في قلوب المسلمين في باكستان والهند وبنغلادش. كثيرا ما رحل ابناؤهم في السنين الخوالي الى العراق لمجرد ان يتبركوا بضريحه ويخدموا المسجد والاسرة الكيلانية. كثيرا ما كان يدفع بهم حماسهم في هذه الخدمة الى البقاء في بغداد ليموتوا ويدفنوا في مقبرة الامام الغزالي المجاورة.

كان من هؤلاء الحاج حسن الهندي. قضى حياته بين جدران جامع الكيلاني يأكل من زاده المتواضع، شوربة العدس الشهيرة وتمر الزهدي وخبز التنور وينام في فنائه. كرس نفسه لدراسة علوم الدين بتوجيه العلامة الشيخ صبغة الله الحيدري وتخرج على يديه فعينه مدرسا في الحضرة الكيلانية رغم ضعف لغته العربية. ولكن هذا اعطاه مدخلا جيدا لقلوب وعقول مريديه من العامة الذين كان يكلمهم بلهجتهم العامية والشيخلية.

في هذه الايام التي شغلتنا بمصائب الارهابيين من الاسلامجية و كل هذا التعصب والتشدد، الذي اخذ يجتاح عالمنا العربي والاسلامي شرقا وغربا ، بل واخذ يزحف الى دنيا الغرب في اوربا والولايات المتحدة، علينا ان نتذكر تلك اللآليء التي تألقت في تاريخ هذا الدين وتميزت بروح العقل والسماحة والحكمة الدينية والدنيوية.

كان من هذه اللآليء، هذا الرجل الغريب، الحاج حسن الهندي. كان يقضي نهاره ملتفا بجبته السوداء ومعتمرا بعمامته الهندية البيضاء يصل الليل بالنهار والنهار بالليل في العبادة والوعظ والتدريس في اروقة الجامع. وفي ايام الصيف الملتهب، كان يأخذ مكانه فيجلس على دكة الباب الشرقية للجامع بعد اداء صلاة العشاء. يعرض نفسه للمارة من الرجال والنساء ليستفتونه في شؤونهم الخاصة وشؤون دينهم.

تعرف المنطقة المحيطة بجامع الكيلاني في بغداد بمحلة باب الشيخ تيمنا به، أي بالشيخ عبد القادر الكيلاني. وهي منطقة تلونت بشتى الالوان. انجبت نخبة من كبار الساسة والعلماء والشعراء وخلفت ايضا جموعا من الاشقياء والعصاة والمجرمين وقطاع الطرق ممن نسميهم بالشلاتية. كنت في صباي اتحاشى ولوج ازقة هذه المنطقة حتى في كبري.

وفد نفر من هؤلاء العصاة الى دكة الحاج حسن رحمه الله. وبين الجد والهزل سألوه ان يعطيهم فتوى. قالوا نحن نريد ان نسكر اليوم ونشرب العرق المستكي، إعطنا يا شيخنا فتوى تحلل لنا ذلك فلا يحاسبنا الله عليها. كانوا طبعا يسخرون منه ويهزؤون به . ولكنه رحمه الله بادر ونظر في وجوههم وسألهم: هل اديتم صلاة العشاء هذا اليوم يا أولادي؟ قالوا لا. قال اذن فاذهبوا وتوضئوا وصلوا ركعتين امام ضريح الشيخ . وعندئذ سيجوز لكم ان تشربوا من العرق ما شئتم ان تشربوا.

خرجوا وتوضئوا وتوجهوا صوب الكعبة المشرفة وصلوا، وعندما انتهوا من الركعة الثانية وسلموا يمينا وشمالا: السلام عليك يا رسول الله، اسلام عليك يا رسول الله. لم يعد بأمكانهم ان يفكروا بشرب الخمرة بعد كل هذا الخشوع وذكر الله عز وجل. فانصرفوا الى بيوتهم تائبين.

توفي الشيخ الحاج حسن الهندي عام 1269 هجرية وخلفته في مسلكه ابنته الوحيدة عائشة، التي سارت على هديه وفكره. كانت رحمها الله هي الأخرى من انوار الاسلام الساطعة، ولا سيما بين صفوف النسوة من نساء المسلمين. فتحت مدرسة لتحفيظ النساء القرآن الكريم. بيد انها سلكت في ذلك مسلكا اصلاحيا، بدلا من مجرد حفظ كلام الله على الصدور غيبا كالببغاء، راحت تعلمهن القراءة والكتابة ليستطعن قراءة المصحف الشريف بأنفسهن، وبالتالي ليزددن علما ومعرفة وتواصلا مع الدين ونصوصه ومع واقع الحياة ومتطلباتها بعين الوقت.

وكانت أيام، أيام العراق المشرق في عصر الظلمات. أيام وفاتت.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG