روابط للدخول

تخفيض رواتب ذوي المناصب العليا بين الاقتصاد والسياسة


رئيس الجمهورية فؤاد معصوم يسلم رئيس الوزراء حيدر العبادي كتب تشكيل الحكومة

رئيس الجمهورية فؤاد معصوم يسلم رئيس الوزراء حيدر العبادي كتب تشكيل الحكومة

تآمر تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" مع سوق النفط لاستقبال حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي بأصعب الاختبارات التي يمكن ان تواجه حكومة في مستهل ولايتها. فحين صوت مجلس النواب على حكومة العبادي في ايلول 2014 كانت نحو ثلاثة اشهر مرت على اجتياح داعش مناطق واسعة من العراق وسقوط مدن كبيرة مثل الموصل تحت سيطرته. بل تمدد داعش حتى باتَ يطرق ابواب بغداد.

وتعين على الحكومة ان تتخذ اجراءات استثنائية لإعادة بناء الجيش بعد الانهيارات السابقة والاعتماد على قوات الحشد الشعبي بدرجة كبيرة في هذه الأثناء، وتعبئة طاقات البلد وقدراته أو ما تبقى منها لتلبية متطلبات المرحلة الدقيقة التي يمر بها البلد. وهذه كلها مهمات جسيمة تتطلب موارد مالية ضخمة. ولكنها مهمات تزامنت ضرورة تنفيذها مع هبوط اسعار النفط في الأسواق العالمية بنسبة زادت على 50 في المئة منذ حزيران/يونيو 2014.

وفي بلد ذي اقتصاد ريعي يشكل النفط المصدر الوحيد عمليا لدخله الوطني فان مواجهة داعش بخزينة نصف فارغة اسوأ سينارهو يمكن تصوره. لذا جاءت موازنة 2015 التي أقرها مجلس النواب في مطلع العام بعجز يزيد على 21 مليار دولار. وحاولت الحكومة التعويض عن هبوط أسعار النفط بزيادة الكميات التي تُنتج للتصدير. ولكن ما حاولت الحكومة التعويض عنه بزيادة تصدير النفط التهمته زيادة عدد النازحين الذي بلغ أكثر من 3.5 مليون مواطن يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة.

في مواجهة هذا الوضع اتخذت الحكومة طائفة من الاجراءات التقشفية لضغط النفقات والتركيز على الأولويات بتأجيل الكثير من المشاريع الاستثمارية. ودعت المواطنين الى شد الأحزمة على البطون ومساعدة الدولة بالاقتصاد في الانفاق رغم ان شرائح واسعة تعاني اصلا من ظروف معيشية قاسية. وبحسب وزارة التخطيط فان ربع العراقيين يعيشون الآن تحت خط الفقر. واشارت الوزارة الى نزوح ملايين العراقيين من محافظات نينوى والانبار وصلاح الدين وديالى بوصفه السبب الرئيس لزيادة الفقراء والمسحوقين في العراق.

وارتفعت اصوات تطالب الحكومة بتقديم مثال يُقتدى من خلال تخفيض رواتب كبار المسؤولين في الدولة قبل ان تطلب من المواطن التضحية بالقليل الذي لديه. واستجابة لهذا المطالب قرر مجلس الوزراء في 21 تموز تخفيض رواتب اصحاب المناصب العليا والرئاسات الثلاث ومخصصات الوزراء وذوي الدرجات الخاصة واعضاء البرلمان ليكون ما يتقاضاه النائب بمقدار راتب الوزير بعد التخفيض.

ولكن هذا الاجراء في الوقت الذي لاقى ارتياحا في الأوساط الشعبية المكتوية بغلاء المعيشة ونقص الخدمات فانه اثار تساؤلات عما يمكن ان يوفره للخزينة لا سيما وان الفساد المستشري في مفاصل الدولة يكلف الاقتصاد العراقي اعباء أكبر بكثير.

اذاعة العراق الحر التقت المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح الذي وصف قرار تخفيض رواتب المناصب العليا بأنه استجابة للاستياء الشعبي من الفوارق الهائلة في الدخول لا سيما وان العبادي نفسه اعترف بهذا الخلل حين اعلن ان الانتصار يتحقق بالمساواة والعدل مع لفت الانتباه الى ان تخفيض رواتب كبار المسؤولين هو ليس مصدر التوفير الوحيد للخزينة.

وقال صالح ان من الصعب احصاء ذوي الرواتب المشمولة بالتخفيض ولكنهم يُعدون بالآلاف لا سيما وان الكثير من المسؤولين في مجالس المحافظات والحكومات المحلية الأخرى ايضا يندرجون في هذه الفئة. وتوقع ألا يلاقي قرار تخفيض رواتب ذوي المناصب العليا معارضة في البرلمان مستبعدا أن يخاطر النواب بمستقبلهم السياسي من خلال تحديهم ما سماه "الغليان الشعبي" إزاء امتيازات المسؤولين الكبار.

عضو اللجنة المالية البرلمانية مسعود حيدر رأى ان ما سيوفره قرار مجلس الوزراء بتخفيض رواتب اصحاب المناصب العليا وذوي الدرجات الخاصة مبلغ رمزي لن يؤثر بأي شكل محسوس في وضع الميزانية العراقية، بل ذهب الى حد القول ان ما سيتوفر حتى نهاية العام يُقَدر بنحو عشرين مليار دينار عراقي لا تغطي كلفة وقود سيارات المسؤولين وصيانتها، على حد تعبيره.

ودعا حيدر الى الاسراع بتشريع قانون الخدمة المدنية الذي ينص في احدى مواده على استحداث نظام جديد لرواتب موظفي الدولة العراقية مؤكدا مبدأ العدالة في تحديد هذه الرواتب مع امكانية الاستفادة من تجارب البلدان المجاورة. وحذر من ان وضع الاقتصاد العراقي "وضع حرج" وان حماية المال العام والتوفير الحقيقي يكون باستئصال الفساد المتفشي في مفاصل الدولة وزيادة مصادر الدخل من الكمارك والضرائب والمصارف ولكن مبادرات مثل خفض رواتب كبار المسؤولين تبقى موضع ترحيب من حيث المبدأ رغم مساهمتها المتواضعة.

عضو اللجنة القانونية النيابية رعد الدهلكي اعتبر ان قرار مجلس الوزراء تخفيض رواتب المناصب العليا واصحاب الدرجات الخاصة جاء تحت وطأة الأزمة المالية التي يمر بها العراق في الوقت الحاضر، ولكنه لفت الى ان قرار مجلس الوزراء جاء مخالفا للقانون الذي حُددت رواتب كبار المسؤولين ومخصصاتهم بموجبه وبالتالي يتعين ارسال القرار الى البرلمان لتعديل القانون بما يتماشى مع التخفيضات التي نص عليها القرار.

الخبير الاقتصادي هلال الطحان أكد ان تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث سيوفر للخزينة مليار دولار سنويا وبالتالي فهو قرار صائب، مشيرا الى انه والمستشار الاقتصادي مظهر محمد صالح حذرا من ان استمرار الرئاسات الثلاث على امتيازاتها سيتكفل بافراغ خزينة الدولة العراقية في غضون سنوات وكان ينبغي ان يُتخذ يوم وجها تحذيرهما في عام 2007 وليس في عام 2015.

وقال الطحان ان السياسة المالية العراقية تهدف الى إعادة توزيع الثروات والدخول توزيعاً أكثر عدالة ومن دون تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث كخطوة اولى لن يُكتب النجاح لهذه السياسة مهما طال الزمن.

وعن أعداد اصحاب الدرجات الخاصة والمدراء العامين قال الخبير الاقتصادي هلال الطحان ان العراق يمكن ان يُوصف بأنه بلد الغرائب والعجائب. وساق أمثلة لاسناد هذا التوصيف منها ان الصين البالغ عدد سكانها 1.5 مليار نسمة لديها 15 وزيرا في حين ان العراق البالغ عدد سكانه نحو 33 مليون نسمة لديه 38 وزارة و30 مؤسسة مستقلة وفي كل وزارة عدة وكلاء ومستشارين يصل عددهم احيانا الى 10 مستشارين يستعين بهم الوزير.

ولاعطاء فكرة عن الأعباء التي تتحملها خزينة الدولة في المواجهة المستمرة ضد داعش فان العراق تعاقد مع الولايات المتحدة على شراء 36 طائرة من طراز اف ـ 16 ثمن الطائرة الواحدة منها 65 مليون دولار.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي ساهمت في اعداده مراسلة اذاعة العراق الحر ليلى احمد.

XS
SM
MD
LG