روابط للدخول

يكون النظام السياسي الديمقراطي عادة بثلاثة أشكال رئيسية هي النظام الرئاسي أو الروماني الذي يكون رئيس الجمهورية فيه رئيس السلطة التنفيذية فيما تتألف السلطة التشريعية من مجلسي نواب وشيوخ. وهذا هو النظام المعتمد في الولايات المتحدة وغالبية دول اميركا اللاتينية من بين بلدان أخرى في انحاء العالم. والشكل الثاني هو النظام البرلماني الذي يكون فيه رئيس الوزراء رئيس السلطة التنفيذية ويختاره الحزب أو الائتلاف أو التحالف الذي يتمتع بأغلبية برلمانية.وتكون صلاحيات رئيس الدولة في هذا النظام صلاحيات مراسيمية أو بروتوكولية في الغالب.ونجد هذا النظام معتمدا في دول مثل الهند ، أكبر الديمقراطيات حجما في العالم ، وغالبية الدول الاوروبية والعديد من دول آسيا وافريقيا.والشكل الثالث هو نظام يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني. وأبرز مثال على ذلك هو فرنسا.

واختار العراق النظام البرلماني ، بحسب الدستور الذي ينص في مادته الأولى على ان نظام الحكم في العراق "جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي".

ولكن تجربة البناء الديمقراطي في السنوات التي مرت منذ التغيير كانت زاخرة بالمصاعب والتحديات والمطبات في بلد ظل عقودا طويلة لم يعرف العراقيون خلالها إلا أنظمة استبدادية وقمعية تراوحت عموما بين نظام الحزب الواحد ونظام الفرد الواحد. يضاف الى ذلك ان العملية السياسية التي شهدتها هذه السنوات كانت عموما عملية متعثرة اتسمت بالصراعات والمماحكات بين الكتل والقادة في ظل ثقافة سياسية لا مكان يُذكر فيها لتقاليد المناظرة والنقاش الديمقراطي. وازدادت العملية السياسية تخبطا بالانقسامات المذهبية والطائفية وصعود الهويات الصغرى على حساب الهوية الوطنية وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية في ظل فساد متفش في مفاصل الدولة على كل المستويات.

وتعرضت العملية السياسية على ما فيها من هشاشة الى أقسى امتحان حتى الآن بصعود تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" واجتياجه مناطق واسعة من العراق وسقوط مدن مهمة مثل الموصل ثم تكريت والآن الرمادي تحت سيطرته. وبدلا من ان تعقب هذه الضربة الموجعة للعملية السياسية مراجعة نقدية جادة لتشخيص مواطن الخلل اندلع صراع محوره اصرار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على البقاء ولاية ثالثة بوصفه زعيم الكتلة البرلمانية الأكبر في مواجهة معارضة واسعة حتى من حلفائه.وفي غمرة هذا الصراع قُدمت اقتراحات تحت قبة البرلمان لتحديد رئاسة الوزراء بولايتين على غرار رئاسة الجمهورية. ولكن هذه الاقتراحات دخلت في طريق مسدود لأن الدستور لا يحدد ولاية رئيس الوزراء بعدد معين ولأن النظام البرلماني يترك للحزب أو الائتلاف ذي الأغلبية اختيار رئيس الوزراء بصرف النظر عن عدد المرات.

في هذه الأجواء انطلقت دعوات الى تغيير النظام السياسي من نظام برلماني الى نظام رئاسي بما يوحي ان الأول هو جذر كل المصائب التي مرت وتمر على العراقيين.والمفارقة ان شمال العراق أو اقليم كردستان شهد تحركا بالاتجاه المعاكس تماما حيث قُدمت في برلمان الاقليم اربعة مشاريع لتعديل قانون رئاسة الاقليم بهدف الانتقال من النظام الرئاسي الى النظام البرلماني.

اذاعة العراق الحر التقت عضو مجلس النواب عن كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى الاسلامي حبيب الطرفي الذي وصف الدعوات المطالبة باعتماد النظام الرئاسي بدلا من النظام البرلماني بأنها دعوات لا تقوم على أساس لتعارضها مع الدستور اولا وبسبب التجربة التاريخية غير المشجعة مع نظام القائد الضرورة ثانيا.

ورأى الطرفي ان النظام الرئاسي في العراق والمنطقة عموما اصبح رديفا للنظام الاستبدادي والسلطوي ، وإذا لم يرتق النظام البرلماني المعتمد في العراق الى مستوى تطلعات العراقيين فالسبب ليس طبيعة النظام السياسي بل اوضاع داخلية واقليمية مربكة ، على حد تعبير الطرفي.

واعتبر الطرفي ان الدعوات التي انطلقت في اقليم كردستان لاعتماد النظام البرلماني تؤكد انه النظام الأصلح وإذا كانت هناك دول تعتمد النظام الرئاسي مثل الولايات المتحدة فهي الاستثناء الذي يثبت القاعدة.

عضو مجلس النواب عن تحالف القوى الوطنية محمد الكربولي ذهب هو ايضا الى ان النظام الرئاسي يرتبط بالدكتاتورية والنظام البرلماني هو الأنسب للتنوع الذي يتسم به المجتمع العراقي بمكوناته التي تعطيه نسيجا خاصا ولكن ما نال من سمعة النظام النيابي هو النزعات الفردية التي سادت في ظله خلال تطبيقه في العراق.

وتوقع الكربولي ان يكون الفشل مآل الدعوات الى اعتماد النظام الرئاسي بسبب المعارضة الشعبية التي ستواجه مثل هذا الانتقال كما حدث عندما حاول الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعتماده لكن الناخبين أجهضوا محاولته وبالتالي فان اعتماد النظام الرئاسي في العراق ايضا سيكون في غاية الصعوبة.

عضو مجلس النواب عن التحالف الكردستاني ريناس جانو لفت الى ان ما يُطلق من دعوات بشأن اعتماد النظام الرئاسي يتطلب اجراء تغييرات جذرية في الدستور وفي النظام نفسه معتبرا ان النظام السياسي سواء أكان برلمانيا أو رئاسيا أو مختلطا انما هو اطار لخدمة العملية الديمقراطية اساسا بوصفها شكل الحكم الذي يمثل ارادة الأغلبية.

وأكد النائب جانو ان ما يحدث في العراق من تهجير ونزوح وتحديات امنية وأزمات اقتصادية ومالية لا يمت بصلة الى النظام البرلماني بل اسبابه سياسية بالأساس. وأعاد جانو التذكير بأن العملية السياسية في العراق قائمة على الديمقراطية التوافقية وان النظام البرلماني أنسب بكثير لهذه الصيغة من النظام الرئاسي متسائلا أين مسؤولية النظام البرلماني في أي مشكلة من مشاكل العراق الكثيرة اليوم!!

وقال النائب جانو ان من باب أولى الاهتمام بتحسين ظروف المواطنين المعيشية من خلال تغيير الوضع الاقتصادي المتأزم بدلا من طرح افكار ليس هناك استعداد حتى لمناقشتها إزاء الهموم الأكبر التي تشغل العراقيين اليوم.

ولكن الناشط عبد الخالق حسن اشار الى ان الصراعات التي تستمر طيلة اشهر بالارتباط مع عملية تشكيل الحكومة بعد كل انتخابات وتعطيل القوانين داخل البرلمان والمصالح الحزبية وما يسببه ذلك من معضلات في الحياة العامة دفعت المواطنين الى وضع علامة استفهام كبيرة على حصيلة النظام البرلماني طيلة السنوات السابقة.

عميد كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين عامر حسن فياض لاحظ ان تجربة النظام البرلماني في العراق تبين انه لم يُطبق تطبيقا صحيحا يتيح الحكم عليه وبالتالي يبرر الدعوات الى تغييره ، وعزا جذر القضية الى فشل المسؤولين عن تنفيذ المهمة الواقعة على عاتقهم سواء أكانت تنفيذ برنامج أو خطة أو مشروع أو إدارة دولة أو قيادة حكومة.

وقال الأكاديمي عامر حسن فياض ان المطالبة بتغيير النظام تكاد ان تكون تعجيزية في توقيتها وفي شرط تحقيقها الذي يتطلب تعديلا دستوريا مشددا على ان النظام البرلماني هو النظام الملائم لمجتمعات متنوعة مثل المجتمع العراقي.

قال رئيس مجلس النواب سليم الجبوري ان تحويل النظام السياسي المعمول به في العراق يتطلب تعديل الدستور الذي ينص في المادة 142 على اجراء تعديلات في مواده خلال اربعة اشهر وطرحها في غضون شهرين من تصويت البرلمان عليها لاستفتاء شعبي. وكان ذلك قبل نحو عشر سنوات حيث أُقر الدستور في 15 تشرين الأول 2005.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي ساهمت في اعداده مراسلة اذاعة العراق الحر ليلى احمد.

XS
SM
MD
LG