روابط للدخول

لبنان: عام كامل بلا رئيس للجمهورية


آخر رؤساء لبنان، ميشال سليمان

آخر رؤساء لبنان، ميشال سليمان

بيروت

مرّ عام بشهوره الإثني عشر ولم يتمكن النواب اللبنانيون من انتخاب رئيس للبلاد. ولا شيء يوحي بأن الأشهر المقبلة من العام الثاني على الفراغ الرئاسي ستحمل رئيساً جديداً.

الشغور في موقع الرئاسة الأولى ليس سابقة في لبنان، ولكنه الشغور الأطول. فبعد اتفاق الطائف الذي أُقر في العام 1989، عرف لبنان شغوراً دام ستة أشهر إثر انتهاء ولاية الرئيس السابق اميل لحود في العام 2008. ولولا اتفاق الدوحة الذي أعقب أحداث 7 أيار لما أتى الرئيس ميشال سليمان الى الحكم. اذ كان وصوله الى سدّة الرئاسة نتيجة توافق بين جميع الأطراف برعاية قطر، ويشمل الاتفاق تشكيل حكومة يكون لفريق 8 آذار فيها "الثلث المعطل"، وهو يعني أن يكون ثلث الوزراء زائداً واحداً من حصّة "8 آذار". وأذا ما استقال هذا الثلث، حسب الدستور اللبناني، تُعتبر الحكومة مستقيلة.

ليل 24- 25 أيار 2014، رفض "حزب الله" وحلفاؤه التمديد للرئيس سليمان، كما عجز الفرقاء عن التوافق على رئيس، فتربّع الفراغ على كرسيّ الرئاسة الأولى في قصر بعبدا.

ومع أن الرئيس سليمان أتى الى منصبه كرئيس توافقي، إلّا أن المواقف التي اتخذها قبيل انتهاء ولايته ازاء "حزب الله"، ورفضه معادلة "الجيش والشعب والمقاومة"، ووصفها بأنها "معادلة خشبية"، كلّها أمور أغضبت الحزب، فرفض التمديد له لإنقاذ البلاد من الفراغ، علما ً بأن سابقة التمديد أو التجديد التي تحتاج الى تعديل دستوري حصلت مرّتين بعد اتفاق الطائف، عندما تمّ التمديد للرئيس الراحل الياس الهراوي ثم للرئيس لحّود في عهد الوصاية السورية.

عون: معادلة "أنا أو لا أحد"

في العام 2008 أمل رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، الذي عقد تحالفاً مع "حزب الله" بعد عودته من المنفى في باريس، أن يدعمه الحزب في الوصول إلى سدّة الرئاسة. فهو يعتبر نفسه الأكثر تمثيلاً على الساحة المسيحية، ويحقّ له بالتالي أن يكون الرئيس، على أساس أن رئيس مجلس النواب الشيعي نبيه بري يمثل الأكثرية الشيعية، ورئيس الحكومة سعد الحريري أو رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا من "تيار المستقبل" يمثلون أيضاً الأكثرية السنية.

ولكن الرياح لم تجرِ حينها كما تشتهي سفن العماد عون، فأًصرّ بعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان على أن يكون هذه المرّة هو الرئيس أو لا أحد. فقاطع نوابه ونواب "حزب الله" جلسات مجلس النواب المخصّصة لانتخاب رئيس الجمهورية، فلم يكتمل النصاب المحدد بثلثي عدد النواب طوال 22 جلسة، باستثناء الجلسة الأولى التي لم يتمكن فيها أيّ من المرشحين الأساسيين عون ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من الحصول على الأصوات الكافية للفوز، على أساس أن كتلة النائب وليد جنبلاط التزمت الحياد، وصوّتت لمرشح من أعضائها هو النائب هنري حلو.

إلّا أن ثمة قانونيين يعتبرون أن النصاب في الجلسات التي تلي الجلسة الأولى هو النصف زائداً واحداً، وليس الثلثين. ولكن أعضاء هيئة مكتب مجلس النواب الذين يمثلون جميع الفرقاء السياسيين اتفقوا على نصاب الثلثين، في تفسير للدستور الغامض الى حدّ ما في هذه النقطة.

الكرة في ملعب المسيحيين؟

رفع "حزب الله" شعار وقوفه وراء عون، وقال إنه لا يستطيع أن يتخذ أي قرار ما دام عون يرفض التخلي عن ترشّحه، وأعلن الحزب لاحقاً في وضوح أن مرشحه هو العماد عون. وفي المقابل، رمى الفرقاء المسلمون الكرة في الملعب المسيحي، قائلين إنهم يوافقون على ما يتّفق عليه المسيحيون، لمعرفتهم بشبه استحالة التوصل الى اتفاق مسيحي على اسم المرشح الى الرئاسة.

وبذلت البطريركية المارونية جهودا مضنية، وجمعت الأقطاب الموارنة الأربعة: عون وجعجع ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل والنائب سليمان فرنجية في الصرح البطريركي في بكركي، ولكن من دون أي فائدة.

الفراغ يولّد شللاً في الحكومة والبرلمان

بعد عام على الشغور الرئاسي، بدا وكأن هناك "تطبيعاً" مع الفراغ الذي انعكس شللاً في عمل الحكومة ومجلس النواب.

فتبعاً للدستور اللبناني، تقوم الحكومة بمهام الرئيس في حال فراغ سدّة الرئاسة. ولكن، وخوفاً من أي تفسيرات خاطئة وحفاظاً على التوافق، قرّر رئيس الحكومة تمام سلام أن تُتخذ كل القرارات في الحكومة بالإجماع في غياب رئيس للجمهورية. وهذا ما أدى عملياً إلى شلل مجلس الوزراء الذي صار يتحاشى بحث الأمور الخلافية ويكتفي ببتّ الأمور العادية، فغدت الحكومة أشبه بحكومة تصريف أعمال.

أما المجلس النيابي، فيجب أن يتحوّل إلى هيئة ناخبة الى حين انتخاب رئيس، ولا يحق له التشريع. ولكن هذا البند الدستوري أيضاً حاول الكثيرون تفسيره على طريقتهم من أجل تسيير عجلة البرلمان. فخرج من يقول بـ"تشريع الضرورة". ولكن حتى هذه التشريع لم يوافق عليه كل الأطراف، وخصوصاً الطرف المسيحي، خوفاً من التطبيع مع الفراغ والتعوّد على إدارة الحكم في غياب الرئيس المسيحي. وهكذا غاب أيضاً الدور التشريعي للمجلس، فيما لبنان مهدد بخسارة ملايين الدولارات من اتفاقات مع البنك الدولي وسواه، لأن مجلس النواب لا يجتمع ليقرّ هذه الاتفاقيات.

الأزمة الرئاسية اللبنانية تغدو أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم. فعلى رغم أنها في الشكل مشكلة بين اللبنانيين، لا بل بين المسيحيين، إلّا أنها في الواقع خرجت من أيدي اللبنانيين، وأصبحت ورقة في اللعبة الاقليمية الممتدة من ايران الى السعودية. وثمّة من يقول أيضاً أن لا رئيس للجمهورية إلى أن يُحسم شكل النظام اللبناني الجديد.

XS
SM
MD
LG