روابط للدخول

تحديد ولايات الرئاسات الثلاث بين النص الدستوري والتجربة التاريخية


رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء بعد إنتخابهما في مجلس النواب

رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء بعد إنتخابهما في مجلس النواب

يقول الدستور العراقي ان النظام السياسي في العراق نظام برلماني. ويعني هذا تمثيل السلطة التنفيذية برئيس الوزراء وحكومته. وتكون صلاحيات رئيس الجمهورية في النظام البرلماني صلاحيات محدودة ، غالبيتها مهمات مراسيمية وبروتوكولية اساسا ، على النقيض من النظام الروماني أو الرئاسي المعتمد في بلدان مختلفة مثل الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل والفيليبين. كما يعني النظام البرلماني ان رئيس الحكومة يختاره الحزب أو الكتلة التي لديها أغلبية برلمانية فيما يُنتخب رئيس الجمهورية بمشاركة جميع اعضاء البرلمان. ولا يحدد النظام البرلماني رئاسة الحكومة بعدد معين من الولايات على النقيض من النظام الرئاسي الذي عادة يحدد الرئاسة بولايتين. وعلى سبيل المثال ان المستشار الالماني هيلموت كول بقي في منصبه ستة عشر عاما من 1982 الى 1998 ورئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت ثاتشر قادت بلدها ثلاثة عشر عاما من 1979 الى 1992 وكذلك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي استقال خلال ولايته الثالثة.وبالتالي لا يجوز تحديد رئيس الحكومة بولايتين إلا إذا قرر الحزب ذو الأغلبية البرلمانية نفسه تحديد هذه الولاية ، كما في حالة تركيا حيث قرر حزب العدالة والتنمية وليس البرلمان التركي ان يبقى من يختاره لرئاسة الحكومة ولايتين فقط.

ولكن مراقبين يرون ان ما يجري في بلدان أخرى ذات خبرة أطول وتقاليد ديمقراطية أرسخ ليس من الانصاف تطبيقه على بلد ما زال يتلمس طريقه في ممارسة الديمقراطية مثل العراق. كما ان تاريخا مديدا من الحكام الذين لا يتركون الكرسي إلا برصاصة أو انقلاب أورثت لدى العراقيين نظرة ارتياب وشك في كل من يتولى مقاليد السلطة حتى إذا كان منتخبا. يضاف الى ذلك ان تجربة السنوات الثماني من ولايتي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وما اعتراها من أزمات وصراعات ارتبطت باصراره على البقاء ، دفعت كثيرين الى التفكير في ضرورة إيجاد آلية تحدد ولاية رئيس الحكومة ايضا.

وفي هذا السياق يأتي مشروع قانون تحديد الرئاسات الثلاث بولايتين الذي قُدم الى اللجنة القانونية النيابية لمناقشته ثم طرحه للتصويت على مجلس النواب. وكما هو متوقع اثار مشروع القانون سجالا ما زال محتدما في الأوساط السياسية تركز على دستورية القانون واتفاقه أو اختلافه مع المبادئ الديمقراطية. وذهب مراقبون الى ان اصحاب المبادرة في تقديم مشروع القانون كانوا مدفوعين بضغط الشارع حيث ارتفعت اصوات في الأوساط الشعبية تطالب بتحديد ولايات الرئاسات الثلاث لترسيخ مبدأ تداول السلطة سلميا كما ينص عليه الدستور العراقي. وان تحقيق مكاسب سياسية باتخاذ موقف شعبوي من هذه القضية كان أحد الدوافع الرئيسية وراء تقديم مشروع القانون من دون معرفة حقيقية بفقه القانون الدستوري.

اذاعة العراق الحر التقت عضو اللجنة القانونية النيابية ابتسام الهلالي التي لاحظت ان الدستور العراقي في الوقت الذي حدد رئاسة الجمهورية بولايتين جاء مبهما فيما يتعلق بالرئاستين الأخريين أي رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة ، متوقعة ان يثير مشروع القانون المؤلف من ثمانية بنود خلافات على قضايا مثل ولايتين متتاليتين او متعاقبتين. واعربت الهلالي عن الأمل بالتصويت على القانون خلال الفصل التشريعي الحالي قائلة ان اللجنة القانونية تؤيد ان يكون التحديد بولايتين متتاليتين.

عضو مجلس النواب عن ائتلاف دولة القانون جاسم محمد جعفر اعترض على مشروع القانون قائلا انه يمنع من لديه القدرة على الحكم من الاستمرار في خدمة بلده بتحديد فترة لا سيماوان تحديد الرئاسة بولايتين لا يجوز في النظام البرلماني حيث النواب هم الذين يقررون ويوافقون على رئيس الحكومة ووزرائه بعكس النظام الرئاسي حيث يأتي الرئيس الى منصبه بانتخابات مباشرة. ودعا جعفر الى دراسة السلبيات والايجابيات في مشروع القانون الذي تجري مناقشته وتحديد ما يعود به من فوائد للشعب العراقي قبل اتخاذ القرار بشأنه.

عضو مجلس النواب عن التحالف الكردستاني ماجد شنكالي شدد على ان مشروع القانون الذي يحدد ولايات الرئاسات الثلاث لا يمت بصلة الى التقاليد والقواعد المتعارف عليها في النظام البرلماني حيث لا تحديد لولاية رئيس البرلمان أو رئيس الحكومة الذي تختاره الكتلة ذات الأغلبية سواء لمرة واحدة أو مرتين أو أكثر فذلك شأنها هي.

واستبعد النائب شنكالي تمرير القانون ولكنه أقر بأن مخاوف الشعب العراقي من عودة الدكتاتورية واكتواء المواطنين بتجربة الحاكم الذي يعتبر الكرسي ملكا صرفا تحت تصرفه مدى الحياة هو السبب في التأييد الذي يلقاه مشروع القانون في اوساط الرأي العام. ورأى النائب شنكالي ان حرمان الكتل البرلمانية الكبيرة من حقها في تحديد ولاية رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب بقانون سيكون مخالفا لمبادئ الديمقراطية وخروجا على قواعد العمل في النظام البرلماني.

عضو مجلس النواب عن ائتلاف القوى الوطنية ناهدة الدايني من جهتها توقعت ان يمر مشروع قانون تحديد ولايات الرئاسات الثلاث بسهولة في البرلمان قائلة ان الأجواء داخل المجلس في دورته الحالية تختلف عنها في الدورة السابقة حين تمكن نواب التحالف الوطني وخاصة ائتلاف دولة القانون من اجهاض القانون.

ورفضت الدايني الاعتراضات القائلة ان تحديد رئاسة الحكومة بولايتين مخالف للمبادئ الديمقراطية قائلة ان هذه التحديد يشكل صمام أمان في حال ضعف أداء رئيس الحكومة وبقائه رغم ذلك في غياب التحديد فضلا عن تحجيم أي توجهات لفرض دكتاتورية جهة واحدة دون ان يكون المقصود جهة معينة ، بحسب تعبير النائبة الدايني.

عضو مجلس النواب عن كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى الاسلامي حبيب الطرفي اعتبر قانون تحديد ولايات الرئاسات الثلاث ضرورة لترسيخ دعائم الديمقراطية وتوسيع المشاركة فضلا عن انه وسيلة لطمأنة المواطنين بأن لا عودة للدكتاتورية لا سيما وان وضع العراق يختلف عن البلدان الأخرى من هذه الناحية.

عضو مجلس النواب عن ائتلاف دولة القانون حيدر ستار المولى اعرب عن تأييده لتحديد ولايات الرئاسات الثلاث قائلا ان الديمقراطية الفتية في العراق بحاجة الى قوانين تدعمها كهذه لا سيما وان تجربة العراق تشير الى ان بقاء المسؤول فترة طويلة في منصبه يزيده تمسكا به.

وقال المولى ان العراق ما زال في مرحلة تجريب القوانين وتعديلها بحثا عن التشريعات المناسبة ولكن الملاحظ في العملية السياسية بقاء الوجوه نفسها بلا تغيير في وقت يحتاج البلد الى طاقات شابة جديدة بمستوى التحديات التي تواجهه. وتوقع النائب حيدر ستار الموالى أن يوجه القادة السياسيون نواب كتلهم بألا يمرروا قانون تحديد ولايات الرئاسات الثلاث.

الخبير القانوني وعميد كلية القانون علي الرفيعي أوضح ان الدستور يحدد رئاسة الجمهورية بولايتين في حين ان السلطة التشريعية منتخبة من الشعب وهي التي تقرر رئاستها وأي قانون يقيد حقها هذا يشكل انتهاكاً للديمقراطية.

وقال الأكاديمي علي الرفيعي ان فكرة تحديد ولاية رئيس الوزراء طُرحت على خلفية بقاء رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ولايتين ورغبته في الاستمرار ولاية ثالثة مع ما أثاره ذلك من مخاوف في الأوساط الشعبية ولكن الكتل السياسية وظفت هذه المخاوف المشروعة في مزايدات تخدم مصالحها الضيقة.

تنص المادة 72 من الدستور العراقي على ان "ولاية رئيس الجمهورية تُحدد بأربع سنوات ويجوز اعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب" دون أي ذكر لولاية رئيس مجلس النواب أو ولاية رئيس الوزراء في أي مكان من الدستور.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي ساهم في اعداده مراسل اذاعة العراق الحر أياد الملاح.

XS
SM
MD
LG