روابط للدخول

تونس: شباب القوارب، البحر من امامهم والفقر من ورائهم


تقع المهدية على ساحل تونس الشرقي وتتميز ببعض الاهمية لكونها مركزا حيويا في مجال الصيد التجاري اضافة الى كونها مركزا سياحيا معروفا.

وفي مكان ناء بعيد عن الحضارة في هذه البلدة ذات التاريخ العريق، نشأ عزيز في بيت فقير تنتشر في انحائه اشجار ميتة وصور قديمة تغطي جدرانا تبدو كأنها اطلال ولا يُلاحظ فيه اي مظهر من مظاهر الراحة والرخاء.

في هذا المكان بدأت حكاية عزيز، احد ضحايا الهجرة غير الشرعية أو كما يسميها العامة "الحرقة" والتي بلغت ذروتها بعد احداث الربيع العربي.

٢٧٠ الف لاجئ دخلوا دول الاتحاد الاوربي في عام ٢٠١٤

تشير ارقام اوربية الى ان عدد اللاجئين الذين تمكنوا من دخول دول الاتحاد الاوربي في عام ٢٠١٤ بلغ حوالى ٢٧٠ الف لاجئ، اي ضعف الرقم القياسي المسجل في عام ٢٠١١.

لكن عزيز لم يكن واحدا من هؤلاء الذين ينظر اليهم في بلدانهم على انهم محظوظون، لأن عزيز مات عندما انقلب قارب خفيف كان يعتقد انه يحمله الى مبغاه، الى جزيرة لمبادوزا الايطالية، ومنها الى حياة جديدة وفرصة كبيرة.

كان مجرد حلم، وتحول عزيز الى مجرد رقم في احصاءات دولية فيما ترك في قلوب اسرته غصة عميقة لم تنجح الاشهر التي مضت منذ غرقه في تخفيفها.

في ديسمبر الماضي، اشار تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية الى ان عدد من فقدوا حياتهم خلال محاولتهم عبور البحر المتوسط والوصول الى اوربا بلغ خلال عام ٢٠١٤، ما يقارب من ١٥٠٠ شخص.

غير ان مراقبين يعتقدون ان العدد ربما يكون اعلى بكثير لان البحر افضل من يخفي الاثار والاسرار.

إذاعة العراق الحر زارت اسرة عزيز في بيتها المتداعي والتقت والدته وشقيقته. وبدأت امه بسرد الحكاية: "توفي والد عزيز عندما كان هو في الخامسة من العمر وتركه مع اخته في عهدتي. ولم اكن املك شيئا غير هذا البيت القديم وبعض الاثاث".

الحاجة امينة، والدة عزيز

الحاجة امينة، والدة عزيز

توقفت والدة عزيز لوهلة وكأنها تبحث في الذاكرة عن كلمات يمكنها ان تصف ما تخزنه الذاكرة.. ثم تابعت: "بعت كل ما املك تقريبا ثم اضطررت الى العمل في تنظيف المنازل ولم اتمكن من دفع مصاريف دراسة طفليَ ولولا مساعدة الجيران لقتلنا الجوع".

وتوقفت والدة عزيز مرة اخرى وبدأت عيناها تغرورق بالدموع ثم قالت: "اضطر ابني الى الانقطاع عن الدراسة والبحث عن عمل لمساعدتي لكن دون جدوى" ثم تساءلت: "واي عمل يمكنه الحصول عليه وهو بلا تعليم كاف ولا خبرة؟ كل ما حصل عليه من اعمال كان شاقا جدا ودون مقابل يذكر. وشيئا فشيئا بدأ يفكر بالرحيل كالعديد من شبان البلدة قبله. ورغم معارضتي للفكرة لم استطع إيقافه. وذات صباح..".

وأجهشت والدة عزيز، الحاجة امينة، في البكاء بحرقة شديدة فأكملت شقيقته القصة: "ذات صباح، وجدنا رسالة من عزيز يخبرنا فيها انه وجد مركبا مسافرا إلى ايطاليا وطلب منا الا نقلق عليه ووعدنا بإرسال المال حالما يستقر.. ولكن.. بعد اسبوع واحد فقط وصل الخبر المفجع حيث تم استدعاؤنا للتعرف على جثة أخي التي غرقت قبالة السواحل وعثر عليها متآكلة". وأضافت: "ضاعت أحلامه وضاع شبابه في لحظة واحدة وتركنا وراءه دون رجل"، ثم اجهشت هي الاخرى في البكاء.

٤٥ الف مهاجر وغريق ومفقود من تونس وحدها في عام ٢٠١٤

ليس هناك اي احصائية رسمية تتضمن ارقاما صحيحة وموثوقة عن عدد من فقدوا حياتهم في البحر المتوسط. وليس هناك اي معلومات واضحة ايضا عن الجهات التي تنسق هذه الهجرة وتسير القوارب مقابل مبالغ مالية كبيرة، غير ان المعروف ان المجتمع التونسي يدرك مدى عمق هذه الازمة وسعتها ويقول الناس في ما بينهم أن عدد الضحايا يقدر بالمئات إن لم يكن بالآلاف. بل وذكرت مصادر رسمية في تونس ان عدد المهاجرين والغرقى والمفقودين يقدر ب ٤٥ الف شخص في عام ٢٠١٤ فقط. أما اهم مراكز الهجرة في تونس فهي المهدية وجرجيس وذلك رغم اجراءات حكومية لمنعها او للحد منها.

اما الاسباب التي تدفع الشباب الى المجازفة بحياتهم والتشبث بأمل ضئيل قد يتحقق وقد لا يتحقق فهي افتقادهم الى الأمل في العيش الكريم في بلادهم وقلة فرص العمل وانتشار الفقر والفقر المدقع بين الشباب بشكل خاص.​

عزيز الذي قتله البحر مع شقيقته في تونس

عزيز الذي قتله البحر مع شقيقته في تونس

سألت شقيقة عزيز إن كانت تعتبر احدا ما او جهة معينة هي المسؤولة عما حدث لأخيها فقالت: "ومن سألوم؟ المجتمع ام الدولة أم القدر؟ أخي لم يكن الأول ولن يكون الأخير. هنا في هذه البلدة، ليس هناك عائلة واحدة لم يحاول احد أفرادها إن يهاجر. بعضهم يغرقون قبل الوصول او يلقى القبض عليهم. وفي كل الحالات يضيع مستقبلهم. ويبقى عدد ضئيل من المحظوظين الذين يصلون بسلام ويعملون بشكل غير قانوني ويحاولون تسوية اوضاعهم هناك".

وأخيرا اقتادتني شقيقة عزيز الى منزل احد الجيران وكان ابنه الاكبر واسمه عبد الكريم قد هاجر الى اوربا بالطريقة نفسها في عام 2011 وكان يعمل بإحد الفنادق بالمهدية لكنه طرد من عمله بعد الثورة. وهو يعيش هناك حاليا بصفة غير شرعية.

بدا الوالد وكأنه يؤيد ما فعله ابنه إذ قال: "ابني هاجر لكني لست حزينا ولا ألومه، لقد ذهب دون إعلامي لكنه اتصل بي حالما وصل إلي هناك وهو مستمر في الاتصال بنا لكن بطريقة حذرة حتى لا يعثروا عليه. انا أدرك انه كان من الممكن إن افقده لكنه لو بقي فكنت سأفقده ايضا لأنه كان سينتحر أو سيسرق وينتهي في السجن".

الأب رفض إعطاء المزيد من المعلومات خوفا على ابنه وقد حاولت العثور على احد المهربين أصحاب القوارب لكن الأهالي رفضوا الكشف عن هويتهم.

والد عبد الكريم علق بالقول: "ابني لم يخبرني بهويتهم لكني حتى لو كنت اعلم فلن اخبر أحدا، إنهم يساعدون الشباب في الحصول على مستقبل أفضل. من المؤسف إن يموت البعض لكنها ليست غلطتهم. لو كانت الحكومة تتركهم يهاجرون شرعيا دون شروط تعجيزية كعقد عمل وأوراق كثيرة وضمانات مالية أو لو انها توفر العمل للشباب هنا لما كان هناك ضحايا".

قد تتضارب آراء البعض تجاه ظاهرة الهجرة غير الشرعية لكن من المؤكد أنها أزمة بالنسبة لكل الاطراف بما في ذلك الدول الاوربية التي ما عادت تستوعب المزيد من اللاجئين. وكانت هذه الظاهرة قد بدأت منذ سنة 1990 حين فرضت الحكومة الايطالية وجوب الحصول على فيزا على رعايا تونس والدول الاخرى. ثم استفحلت سنة 2011 اثر قيام الثورة حسب أرشيف وزارة الداخلية. ولم تجد جميع الجهود التي بذلت محليا ووطنيا واوربيا لتفادي هذه المشكلة وايجاد حلول حقيقية لها علما ان احد هذه الحلول طرح في قمة عقدها الاتحاد الأوروبي في مارس 2014 مع تونس بمشاركة العديد من الدول الأوروبية كايطاليا وفرنسا واسبانيا وغيرها، بغية مناقشة إمكانية تسهيل الهجرة الشرعية. والهدف من ذلك هو تنظيم عملية الهجرة وتلافي الأحداث الدرامية وتجنب سقوط ضحايا.

غير ان الموضوع يبقى شائكا ودون حلول في الوقت الراهن رغم ان اسر الضحايا تراودها آمال في تحسن الاوضاع مع تشكيل الحكومة الجديدة في تونس.

XS
SM
MD
LG