روابط للدخول

الاحزاب بين الموقف من قانونها والرضوخ للديمقراطية


منذ إقرار الدستور عام 2005 تبنى العراق نظامَ التعددية السياسية، إذ أكد الدستور في عدة مواضع، مبادئ لا يستقيم تطبيقُها الا في حالة تطبيق التعددية الحزبية، فقد أكد على أن الشعب مصدر السلطات، ومبدأ التداول السلمي للسلطة عبر الوسائل الديمقراطية، وكفالة الدولة لحرية التعبير عن الرأي، وحرية الصحافة والإعلام والنشر، وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي. وجميع تلك الحريات لها علاقة وثيقة بتطبيقات التعددية الحزبية.

الدستور: نعم للأحزاب ولكن بقانون

نظمت المادة ( 39 ) قضية التعددية السياسية والحزبية ، و كفالة حرية تأسيس الجمعيات والاحزاب السياسية او الانضمام اليها . و"عدم اجبار أحدٍ على الانضمام الى اي حزبٍ او جمعيةٍ أو جهةٍ سياسية، او اجباره على الاستمرار في العضوية فيها".

تُرى هل هناك حياة حزبية متعافية وطبيعية في العراق؟ يشككُ عميدُ كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين د.عامر حسن فياض بذلك واصفا الكيانات العراقية بجماعات سياسية وليست أحزابا.

سجل مجلس النواب في دورته الحالية خطوةً تحسب له بقراءته مشروع قانون الاحزاب لأول مرة يوم الخميس 08/01/2015، فقد سعت اطراف متعددة على عرقلة تمرير هذا القانون خلال الفترة الماضية، ما ساهم في تأخير تنظيم الحياة السياسية في بالعراق، بحسب فياض الذي أشار في حديث لإذاعة العراق الحر الى أن من شأن القانون، في حال اقراره، منع التشكيلات العسكرية في الأحزاب والكشف عن مصادر التمويل، وبخصوص قيادة الأحزاب، لفت فياض الى ان الثقافة الشرقية السياسية تقوم على أساس "الزعماء الابديين". مبديا قلقه من صعوبة بناء مجتمع ديمقراطي من قبل "جماعات سياسية لا تمارس الدمقراطية داخلها".

ورغم ان الدستور كفل تشكيل الأحزاب على "ان ينظم ذلك بقانون"، فان ذلك لم يتحقق بعد نحو عشر سنوات من إقرار الدستور، ويرى فياض ان التعددية في العراق تجزيئية وليست توحيدية تهدف الى بناء دولة حضارية.

وردا على وصف الأحزاب العراقية بانها لا تعمل وفق برامج ورؤى أيديولوجية ومشاريع سياسية، ينفي النائب عن كتلة المواطن هادي الشمري ذلك مؤكدا على أن العديد من الأحزاب والقوى العراقية لها ايديولوجيات واستراتيجيات معلنة وتخضع للتحديث.

وبينما تخشى بعض الأحزاب والقوى السياسية من ان يثير قانون الاحزاب في حال اقراره السؤال المأمول "من اين لك هذا؟" ما يعني الكشف عن التمويل لتلك الأحزاب، يشدد بعض السياسيين على أهمية تشريع القانون لتنظيم الحياة السياسية في العراق.

ويقول النائب هادي الشمري في حديث لإذاعة العراق الحر: "لا يوجد خير كامل ولا شر كامل"، فمثلما هناك قوى يشَكك في نهجها وارتباطاتها وغاياتها، هناك أخرى تسعى لتأسيس عمل حزبي وطني مخلص، ويأمل الشمري بان تكون عشر سنوات من العمل البرلماني في العراق قد انضجت رؤى وأداء وأهداف القوى السياسية وأحزابها.

الحزب القائد صورةٌ نمطية، هل تغيرت؟

بعد سنوات طويلة من هيمنة مؤسسة حزبية واحدة ممثلة بحزب البعث، يشهد العراق "ثورة غير مدروسة" في العمل الحزبي، ويرى مراقبون أن الكتلَ السياسية " الكبيرة" تعرقل إقرار قانون الأحزاب خشية فقدانها القدرة على التدخل بعمل الحكومة ودوائر الدولة، فيما يرى آخرون أن " التزامات المعارضة" تستدعي بقاء الأمور طيَ الكتمان لمنع الكشف عن الولاءات الخارجية، بينما يؤكد فريق ثالث أن تأجيل القانون يعود بالمنفعة على " مدخولات الأحزاب لا برامجها"، في إشارة الى وجود صفقات سياسية قديمة تنسجم و مرحلة " تغييب الحقائق" التي أوصلت العراق الى حافة الانهيار، حسب تعبير الكاتب شاكر الجبوري.

رسخت في ذاكرة أجيال من العراقيين صورةٌ نمطية عن الحزب، اقترن بعضها بالعمل السري مثل الحزب الشيوعي وحزب الدعوة، او العلني عندما تسلم أحدها وهو حزب البعث الحكمَ خمسا وثلاثين سنة، وتشكل موضوعةُ الانتماء للتنظيم الحزبي (طوعاً، أو اجبارا أو طمعاً) فصلا حافلا بالقصص والذكريات القاسية للعديد من العراقيين.

بعد نيسان 2003 انهارت بشكل كبير الصورة النمطية للعمل الحزبي في العراق، وحلت محلها ملامحُ التكسّب والفوز بالامتيازات وتأمين المصالح من خلال الانتساب لهذا الحزب او ذاك، برغم وجود البعض ممن يأمل بتحقيق اهداف وطنية خالصة، الى ذلك اتهم المحلل السياسي جاسم الموسوي الأحزاب المؤثرة في كونها هي التي تصنع القوانين ولذا فإنها تتحمل مسؤولية تأخر تشريع قانون الأحزاب وغيره من القوانين المهمة.

تُعدُ التعددية الحزبية، أمرا مباحا وطبيعيا في أية دولة ديمقراطية، وان وجود عدد كبير من الاحزاب ليس بالأمر السيء في حال عملها لأهداف تخدم المجتمع ولا تتقاطع مع القوانين النافذة.

كم حزبا في العراق اليوم؟

لا توجد إحصائية يُعتد بها، فالعدد غير مستقر قد يتضاعف فيزيد عن 600 حزب في مواسم الانتخابات وينخفض كثيرا في مواسم أخرى، وهي مصادق عليها من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فقط، وذلك لأغراض الانتخابات، وبالتالي فهي ليست مجازة وفق القانون المفترض، ونهاياتها سائبة، وتحكمها القواعد العامة فقط، ورغبات قادتها ومؤسسيها.

ويخشى المحلل جاسم الموسوي من أن انتعاشَ تأسيس الكثير من تلك الأحزاب يقف وراءه البحث عن السلطة والغنيمة لدى البعض، محذراً في حديثه لإذاعة العراق الحر، من سعي بعض الأحزاب الى عرقلة تطور العملية السياسية في البلاد، بل حتى وقفها.

ولا يبتعد رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية واثق الهاشمي عن هذه الحقيقة واصفا بعض الأحزاب بانها موسمية، مفتقدا حيوية الأحزاب الأيديولوجية والعلمانية التي تواجه برغم قلتها مشاكل وصراعات في عملها،

ولفتَ الهاشمي في حديثه لإذاعة العراق الحر الى أن الحياة الحزبية في العراق لم تستقر فالأحزاب تسودها السمة الدينية والطائفية، فضلا عن الهويات القومية، والكثير منها متأثر بأجندات خارجية، تتحكم بتمويلها وبالتالي بمواقفها، ملاحظا تعرض أغلب تلك الأحزاب الى انشقاقات متعددة ما ولد نظاما حزبيا غير مستقر لديها.

وفيما يُنتظر ان يواصل النواب مناقشتهم مشروع قانون الأحزاب الذي قدمته الحكومة، وجرت قراءته الأولى يوم الخميس، واستكمال الخطوات المنتظرة لإقراره، يُبدي عضو اللجنة القانونية النيابية سليم شوقي تفاؤله بنتائج القانون على في تنظيم الحياة السياسية في العراق.

برغم أنه كان لبعض الأحزاب السياسية أدوار مختلفة وفعاليات متباينة في مناهضة نظام حزب البعث في العراق على مدى اكثر من ثلاثة عقود، الا أن المراقبَ يشخص سمات مشتركة لواقع العمل الحزبي في العراق بعد تغيير النظام عام 2003 ، ومنها التعدد والكثرة المفرطة، وغلبَة الهوية القومية والدينية والطائفية عليها، وتشابه برامجها وانظمتها الداخلية وشعاراتها مع اختلافات جزئية في الأسماء والعناوين، وتعرّض بعضها الى انشقاقات وانسحابات بحسب الظروف والمناسبات، واخفاق اغلبها في تحقيق الأهداف والوعود التي طرحتها في اجندتها او في حملاتها الانتخابية، فضلا عن اتهام أغلبها بالارتباط بدول خارجية توفر التمويل.

وقد يقسو البعض على تلك الأحزاب بالقول انها تفتقد ايمان الشارع العراقي بها ومحدودية القاعدة الشعبية. الا بقدر ما توفره من امتيازات ومكاسب لأعضائها.

بمشاركة مراسل إذاعة العراق الحر في بغداد رامي احمد

XS
SM
MD
LG