روابط للدخول

الموازنة تستنجد: جيش الموظفين والإسراف و"داعش" إستنفدني!


تظاهرة ضد تأخر إقرار الموازنة العامة في العام الماضي

تظاهرة ضد تأخر إقرار الموازنة العامة في العام الماضي

تضافرت عواملُ على تعقيد ملف الموازنة العراقية وعرقلة تمريرها في مجلس النواب، ففضلا عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وهو المورد الرئيس للعراق، تستنفد المواجهة العسكرية مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" نسبةً غير هيّنة من الموازنة، أضف الى ذلك تأمين رواتب اكثر من ثلاثة ملايين موظف وتغطية أموال الرعاية الاجتماعية وتوفير الحصة التموينية وخدمات تشغيلية ومتطلبات مالية اتسم بعضها بالتبذير والاسراف خلال الأعوام الأخيرة.

في الوقت الذي يشكك فيه نوابٌ بإمكانية تمرير مشروع الموازنة العامة لسنة 2015 دون ان تخضع تخصيصاتها الى تقليص، تنبه عضو اللجنة المالية النيابية ماجدة التميمي الى ان مشروع الموازنة الأخيرة اعتمد سعر برميل النفط بستين دولارا، لكن الواقع أن العراق يبيع حالياً نفطه بأقل من خمسين دولاراً لأسباب مختلفة. ونحذر التميمي من ان العراق يواجه فعلا ازمة مالية صعبة.

أزمة تتطلب البحث عن حلول

في غضون ذلك يجري البحثُ عن حلولٍ ومقترحات للخروج من هذه الازمة اذ يرى معنيون أن الحلول يمكن ان تكون على صعيدين: سريعة عاجلة، وأخرى بطيئة مستقبلية. فهناك من يدعو الى تقليص اعداد الموظفين، وتخفيض رواتب الموظفين ذوي الدرجات العليا، و فرض ضرائب جديدة، على السلع والخدمات الكمالية وضغط نفقات الدولة الاستهلاكية والمشتريات في الوزارات، وكذلك تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث والدرجات العليا الى النصف، و جباية مبالغ، أو زيادتها، مقابل خدمات الطاقة والماء والبُنى التحتية.

يتصدر العراقُ اغلبَ دول العالم بارتفاع نسبة الموظفين الى عموم مواطنيه، وانتجَ ذلك تخمة وتضخماً في الجهاز الإداري، حيث تستنفد رواتبهُم اكثر من نصف الموازنة التشغيلية بحسب المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي.

وفي الشأن ذاته يكشف عضو اللجنة المالية البرلمانية النائب فالح الساري أن عدد الموظفين الذين يتسلمون رواتب من الخزينة المركزية ما عدا منتسبي مؤسسات التمويل الذاتي وأعضاء مجالس المحافظات بلغ 3،023000 موظفا، بينهم 718 موظف بدرجة وكيل وزير، و 4432 بدرجة مدير عام يستنفدون مصاريف ومخصصات امتيازات لوظائفهم، تفوق رواتبهم الاصلية بكثير، بحسب الساري.

تسبب حلُ العديد من المؤسسات وهيئات الدولة وكياناتها المنحلة بعد عام 2003 الى تسريح جيش من موظفين وفنيين بخبرات متنوعة لم يعودا منتجين برغم انهم يستنفدون حصة كبيرة من الميزانية كرواتب، فضلا عن مئات الآلاف غيرهم ممن جرى تعيينهم في دوائر الدولة بدوافع اجتماعية او حزبية أو سياسية. ما دعا اللجنة المالية البرلمانية الى التنبيه الى منافذ لتقليل الأعباء على الميزانية منها حث الوزراء والمسؤولين على إحالة الموظفين المنخفضي الإنتاجية على التقاعد في سن مبكرة، وليبدأ ذلك في المؤسسات ذات التمويل الذاتي، كمرحلة أولى، بحسب الساري، الذي بيّن ان نسبة

التخصيصات للرواتب من الموازنة التشغيلية تزيد عن 51 بالمائة ينبغي إعادة النظر بها، واللجوء الى حلول قد لا تخلو من أصداء اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية.

من جانبه تحدث كبير مستشاري رئاسة الوزراء ثامر الغضبان الى إذاعة العراق الحر عن العوامل الاجتماعية والإنسانية والادراية التي ساهمت في زيادة عدد موظفي الدولة بعد عام 2003، كاشفا عن ان منتسبي مؤسسات الدولة عشية عام 2003 كانوا بحدود مليون ومائة ألف موظف، بينما تضاعف الرقم اليوم ثلاث مرات.

مختصون اقتصاديون نبهوا من مخاطر المبالغة في تخصيص درجات وظيفية وتعيين عشرات الآلاف سنويا، لكن السياسيين كانوا يبررون ذلك بالأسباب الاجتماعية والإنسانية بحسب الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، مستحضرا مثالا عن مؤسسة صناعية ( الشركة العامة لصناعة الادوية في سامراء) التي كانت تنتج أنواعا مختلفة من الادوية مطابقة للمواصفات العالمية، وتسد حاجة السوق المحلية، من خلال اكثر من الف منتسب وعامل، بينما يزيد عديد منتسب نفس المنشأة حاليا عن سبعة الاف، برغم انهالا تنتج كما ونوعا ما يقترب منما كانت عليه قبل ثلاث عشرة سنة.

هل ينقذنا الحل النرويجي؟

تقف الحكومة العراقية اليوم في موقف لا تحُسد عليه بمواجهة واقع انخفاض واردات النفط بشكل كبير ومتسارع، في وقت ينبغي عليها توفير ميزانية تشغيلية يذهب جُلها لتغطية رواتب ومخصصات ومفردات البطاقة التموينية وإعانات رعاية اجتماعية وغير ذلك، ما يدفع المخطط الى البحث عن أبواب لزيادة مداخيل الدولة من مصادر غير النفط، والحاجة الى تعديل القوانين المنظمة للرواتب والمخصصات. ودعم النشاط الاقتصادي الخاص وهذا يعني حث المواطن على مواجهة الازمة المالية كشريك مهم بحسب كبير مستشاري رئاسة الوزراء ثامر الغضبان.

لاحظ مختصون ان العراق افتقد منذ سنوات الى خطط استراتيجية تنموية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وقد يكون الاعتماد المفرط على الثروة النفطية ساهم في اغفال قادة البلد وساسته التخطيط للمستقبل، ومرحلة "ما بعد نفاد النفط"، باعتباره ثروة ناضبة كما هو معروف.

فاروق قاسم

فاروق قاسم

يتذكر فاروق قاسم، وهو خبير بالنفط وعالم جيولوجي عراقي هاجر منذ نحو أربعة عقود إلى النرويج، أن رد فعل النرويجيين إزاء التدفق الأول للنفط، عام 1969، مشابه لأية دولة أخرى تكتشف فجأة كنزاً من الذهب الأسود. كان الناس يعتبرون الكسب المفاجئ من إيرادات النفط نعمة كبرى. وكانت الأموال يتم تحويلها مباشرة إلى موازنة الحكومة، ما جعل الانفاق العام يتضاعف. ولكن مع حلول عام 1972 كان من الواضح أن الاقتصاد بات يعاني من متاعب عميقة.

فقد عانت النرويج من ارتفاع الأجور وكانت المصانع تفقد أهم العاملين فيها لانتقالهم إلى صناعة النفط، وأسفرَ قدوم الأجانب للاستثمار في الازدهار النفطي عن رفع قيمة العملة إلى حد جعل مستوردي البضائع النرويجية الأخرى لا يتحملون أسعارها المرتفعة، ويوضح قاسم، في حديثه لإذاعة العراق الحر، أن رد الحكومة كان على شكل إغاثات مالية، ما زاد من الانغمار في الوحل.

ويوضح قاسم انه مع حلول عام 1995 كان سيل الإيرادات قد تجاوز ما يمكن استيعابه بتحويل كل الأرباح التي تحققها شركات النفط الحكومية وتوظيفها في البحث عن المزيد من النفط وانتاجه، ، فبادرت النرويج إلى تأسيس صندوق حجز خاص يحول دون تسرب الأرباح إلى الاقتصاد،وأعلنتهُ "مُلكاً للأجيال القادمة من النرويجيين". ومنعت الحكومة نفسَها من استخدام ما يزيد عن 4% من هذه الأموال في مشاريع البنية التحتية وغيرها من المشاريع العامة، مع قيامها باستثمار باقي الأموال في أسواق المال العالمية.

وفي مقابلة اجريتها مع الخبير النفطي وعالم الجيولوجيا العراقي الأصل فاروق قاسم حذّر من اعتماد العديد من البلدان النفطية (ومنها العراق) على مصدر مالي واحد هو اشبه بعملية انتحار اقتصادي.

شارك في الملف الصوتي مراسل إذاعة العراق الحر في بغداد رامي احمد

XS
SM
MD
LG