روابط للدخول

هل من أصداء في العراق وبلدان اخرى لتقرير التعذيب الأمريكي؟


صورة من التعذيب الذي مارسة جنود اميركان في سجن ابو غريب - 2004 (من الارشيف)

صورة من التعذيب الذي مارسة جنود اميركان في سجن ابو غريب - 2004 (من الارشيف)

أثارَ نشرُ تقريرٍ أعده مجلسٌ الشيوخ الأميركي عن أساليب الاستجواب القاسية التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية في استجواب المشتبه في كونهم إرهابيين، جدلاً جديداً حول الشفافية والمخاطر المترتبة على الكشف عنها.

ويعتبر مؤيدو الكشف عن برنامج الوكالة الخاص بـ(الترحيل والاحتجاز والاستجواب) المطبّق بعد الاعتداءات الإرهابية في 11 أيلول 2001 أن هذه الخطوة ستساهم في ضمان عدم ارتكاب الولايات المتحدة لمثل هذه الإساءات في المستقبل. وفي المقابل يعتبر المنتقِدون أنها سوف تعرض المواطنين الأميركيين والمنشآت الأميركية إلى أعمال انتقامية عنيفة حول العالم.

وتزامن صدور التقرير مع اغلاق الولايات المتحدة يوم الخميس آخر معتقلاتها في أفغانستان حيث لم يعد لديها معتقلون لتطوي بذلك صفحة أثارت انتقادات واسعة لسجلها في مكافحة التطرف الإسلامي.

وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إنها نقلت مؤخرا آخر المعتقلين من قاعدة "باغرام" الجوية التي تقع إلى الشمال من كابول. وأغلقت السجن في العاشر من كانون الأول وهو اليوم التالي لصدور تقرير عن مجلس الشيوخ الأمريكي أورد بالتفصيل الانتهاكات التي كانت ترتكب في سجن سري تابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية سي.آي.ايه في أفغانستان.

عن التعذيب لـ 39 مشتبها بالإرهاب

وأعلنت عضوة مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي ورئيسة لجنة الاستخبارات في المجلس دايانا فاينستاين الثلاثاء (9 كانون) عن نشر ملخص للتقرير بنحو 500 صفحة للمراجعة التي قامت بها لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ طوال خمس سنوات ونصف السنة لبرنامج (الاحتجاز والاستجواب) في وكالة الاستخبارات المركزية الذي استمر تطبيقه بين عامي 2002 و2009. وأستند الملخص المنشور إلى تقرير سري وكامل بــ 6700 صفحة ومذيّل بنحو 38000 فقرة يمكن نشره في وقت لاحق إن اقتضى الأمر ذلك، بحسب فاينستاين.

]دايانا فاينستاين

]دايانا فاينستاين

واتهم التقريرُ، السي آي ايه، بأنها أخضعت 39 معتقلا لتقنيات وحشية طيلة سنوات عدة، وبينها تقنيات لم تسمح بها الحكومة الأمريكية. وأن الوكالة كذبت أيضا، ليس على الجمهور الواسع وحسب، وإنما أيضا على الكونجرس والبيت الأبيض، بشأن فعالية البرنامج، وخصوصا عندما أكدت أن هذه التقنيات سمحت بـ"إنقاذ أرواح".

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أقر في آب المنصرم بأن الولايات المتحدة قامت (بتعذيب بعض الأشخاص) في تعاملها مع الإرهابيين المشتبهين، بعد أن كان قد أوقف استخدام ما تعرف بـ(أساليب الاستجواب المعززة) لدى توليه الرئاسة في 2009.

ولقد أيّد البيت الأبيض نشرَ أجزاء من التقرير الذي نشرت ملخصَه لجنة الاستخبارات يوم الثلاثاء. غير أن بعض المسئولين في الإدارة الأميركية أعربوا عن قلقهم من أن ما ورد فيه ربما يلحق الضرر بسياسة الولايات المتحدة الخارجية.

وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد اتصل برئيسة لجنة الاستخبارات دايان فاينستاين في الخامس من كانون الاول الجاري للتباحث حول توقيت نشر التقرير في ظل كل ما يجري حول العالم، بحسب المتحدثة باسم وزارة الخارجية جين بساكي.

التقرير بين الانتقاد والقلق من ردود الفعل

استشهد الرئيسُ أوباما في بيان له في التاسع من كانون الاول الجاري بصلابة المُثل المؤسِسة للولايات المتحدة في إشارته إلى تأييده التواصل لرفع السرية عن التقرير المتعلق بأساليب الاستجواب لوكالة الاستخبارات قائلا: (لا توجد أمة مثالية، ولكن أحد عناصر قوتنا التي تتميز بها أميركا يتمثل في استعدادنا لمجابهة ماضينا ومواجهة الشوائب فينا وإحداث التغييرات والمضي بشكل أفضل).

الرئيس اوباما

الرئيس اوباما

واثار نشر التقرير انتقادات واسعة الى الولايات المتحدة باعتبارها مدافعة عن الحريات وحقوق الانسان وكثيرا ما اتهمت دولا وأنظمة بسبب اخلالها بتلك الحقوق وتقييد الحريات، فقد حثت الصينُ الولايات المتحدة يوم الأربعاء إلى "تصحيح أساليبها" وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية هونغ لي في إفادة صحفية يومية "نعتقد أن الجانب الأمريكي عليه أن يفكر في ذلك ويصحح أساليبه ويحترم جديا لوائح الاتفاقيات الدولية المعنية ويتبعها."

واعتبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الايرانية مرضية أفخم، بان التقرير الذي نشره مجلس الشيوخ الاميركي حول ممارسة التعذيب بحق مشتبه بهم، يظهر مدى مأسسة التطرف والعنف والسرية بالنظام الامني الاميركي.

واكدت مرضية أفخم، ان اعتراف مجلس الشيوخ الاميركي المتأخر بممارسة التعذيب العنيف والأفعال اللاإنسانية التي قامت بها الـ"سي آي ايه" ازاء "مشبوهين امنيين" يدلل على انتهاك حقوق الانسان الصارخ بذرائع امنية واهية.

وقال نيك كليغ نائب رئيس الوزراء البريطاني الخميس(11كانون)، إنه سيؤيد فتح تحقيق فيما إذا كانت المخابرات البريطانية شاركت في وقائع تعذيب للمشتبه في صلاتِهم بالإرهاب، قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وذلك إذا فشلت تحقيقات أخرى في كشف الحقيقة.

وأضاف كليغ في حديث لإذاعة (ال.بي.سي) أنه على الرغم من تأكده من أن ضباط المخابرات البريطانية لم يشاركوا في التعذيب، فإن مزاعم بأن الضباط كانوا على علم بارتكاب السلطات الأميركية وغيرها، انتهاكات ضد المعتقلين يجب أن تفحص بعناية.

وقال: "إنني مثل الجميع أريد الحقيقة. لم ولن ولا يمكن تحت أي ظرف أن تستخدم الوكالات البريطانية التعذيب أو أن يحدث بأوامر منا بالطبع".

وكانت رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ فاينستاين أكدت ضرورة نشر التقرير قائلة إن المرحلة الحالية تتسم بالاضطراب وانعدام الاستقرار في أرجاء عديدة من العالم، و"المؤسف هو أن ذلك سيستمر في المستقبل المنظور، إن شئنا أم أبينا. وهنالك من سيستغل التقرير بالقول (أنظروا إلى ما فعله الأميركيون)، وسيستخدمونه في تبرير أفعال شريرة وفي التحريض على المزيد من العنف. لسنا قادرين على منع ذلك، ولكن التاريخ سيحكم علينا من خلال تمسكنا والتزامنا بمجتمع عادل يحكمه القانون ، واستعدادنا على مواجهة أية حقيقة بشعة بقولنا: (لن يتكرر ذلك أبدا)".

أما السيناتور الجمهوري جون ماكين الذي تعرض إلى التعذيب إبان فترة أسره أيام الحرب الفيتنامية، فلقد دافع عن نشر التقرير، مؤكدا بأن التقرير لا يمثل صدمة لمن يريد إلحاق الأذى بالأميركيين. وقال ماكين في كلمته أمام مجلس الشيوخ (ربما سيستغل الإرهابيون إعادة تعريف التقرير لتلك الممارسات كذريعة للاعتداء على الأميركيين، ولكنهم ليسوا بحاجة إلى الذرائع، فقد جعلوا من ذلك نمطا لحياتهم منذ أمد طويل.

وقد أعرب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ عن قلقهم من أن نشر التقرير ربما سيعرض أرواح الأميركيين في الخارج إلى الخطر، وأن يؤدي إلى تأجيج العنف، وأن يستخدم من قبل أعداء أميركا كوسيلة لاجتذاب المتطوعين.

للعراقيين ذاكرة طافحة بقصص التعذيب

يعيد التقرير الأخير عن ممارسات وكالة الاستخبارات الامريكية بحق المشتبهين بالإرهاب، الى الاذهان، فضيحة التعذيب والممارسات اللاإنسانية التي تعرض لها السجناء العراقيين في سجن أبو غريب على ايدي عناصر من قوات التحالف او الشركات الأمنية العاملة معها في العراق بعد اسقاط النظام السابق في نيسان 2003 ، وذلك اثر عرض صور تبين المعاملة المريعة من قبل قوات التحالف للسجناء داخل السجن.

لقد عرف العراقيون منذ عقود قصصاً كثيرة عن انتزاع الاعترافات بأساليب العنف والتعذيب البشعة التي أودت بحياة الكثير منهم خلال جلسات الاستجواب في السجون والمعتقلات الحكومية، في مراحل عدة،لم تتوقف خلالها آلة التعذيب والاذلال البدني والنفسي، ويتطلع المتفائلون الى انتهاء تلك الممارسات في السجون ومراكز الاعتقال والتوقيف العراقية وان يجري التحقيق مع المتهمين بشكل مهني يحترم حقوق الانسان المقرة بالدستور العراقي ويلتزم بالضوابط المهنية والقانونية بهذا الشأن.

وهذا ما شددت عليه أستاذة القانون وعضو المفوضية العليا لحقوق الأنسان بشرى العبيدي في مقابلة مع إذاعة العراق الحر توقفت في بدايتها عند النهج الذي تعتمده اغلب الأنظمة الشمولية والاستبدادية في الإستخفاف بحقوق الانسان والحريات الفردية، ومن ذلك تعريض المتهمين والمشبوهين الى اساليب التعذيب اللاإنسانية في سجونها ومعتقلاتها.

ولاحظت العبيدي ان اغلب دول العالم الثالث لا تلتزم بمواثيق حقوق الانسان وتلجأ أجهزتها بهذه النسبة او تلك الى استخدام أساليب التعذيب في ظروف وغايات عدة ومنها عند انتزاع الاعترافات.

وفيما يخض العراق الذي اقر دستوره حماية حقوق الانسان ومنعت قوانينه، بل عاقبت، مَن يقوم بتعذيب المتهم عند التحقيق،تلاحظ العبيدي خروقات متكررة على هذا الصعيد برغم التحول الكبير في إمكانية الوصول الى المعلومة ووسائل الكشف عن الجرائم، منوهة بدور وسائل الاعلام في كشف التجاوزات بحق المعتقلين والموقوفين و السجناء.

وكشفت العبيدي انه برغم تأكيد الأجهزة الحكومية المختصة على التزامها بضوابط العمل العدلي والحقوقي في التحقيق الا انها تلاحظ ان تلك الجهات لا تبادر بالكشف عن حالات التجاوز ومعاقبة المتجاوزين، بل يتكرر نفي الاساءات والتجاوزات بحق الموقوفين دون التحقيق بصحتها او دحضها.

واشارت عضوة المفوضية العليا لحقوق الانسان بشرى العبيدي ان قانون المفوضية يتيح لها تفتيش أي سجن او موقف وقتما شاءت ودون اشعار مسبق، الا ان ذلك لم يتحقق فلا يستطيع أعضاء المفوضية، مثلاً، زيارة تلك السجون والمعتقلات بدون موافقة مسبقة من وزارة العدل.

يشهد العراق منذ 2003 واقعا امنيا استثنائيا بتوالي العمليات إلارهابية والتفجيرات التي استهدفت في جانب كبير منها المدنيين والمناطق السكنية والأسواق، فضلا عن استهدافها القوات المسلحة ومراكزها، وبذا فان البعض يجد تفهما في حال اللجوء الىأساليب التعذيب او القسر عن التحقيق مع المتهمين بالإرهاب للتوصل الى نتائج ومعلومات تحد من تزايد خسائر المجتمع، الا ان عضو مفوضية حقوق الانسان بشرى العبيدي توضح ان ذلك يبقى مخالفا للقانون خصوصا وان المحقق القانوني يفترض ان يتحلى بالقدرة والخبرة والمعرفة المهنية والعلمية التي تمكنه من التوصل الى الحقيقة عن التحقيق. بما يعزز النظام القانوني والقضائي في العراق وحماية حقوق الانسان.

شارك في ترجمة التقرير الزميل اياد الكيلاني

XS
SM
MD
LG