روابط للدخول

الموازنة.. أسعار النفط و"داعش" والرواتب والفساد!


تظاهرة تطالب بإقرار موازنة 2014

تظاهرة تطالب بإقرار موازنة 2014

يتجه العراقُ الى مرحلة حساسة في إعداد خططه الاقتصادية والمالية بعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتعاظم متطلبات الدولة العسكرية والمالية والخدمية، ما دفع مسؤولين وخبراء اقتصاديين الى البحث عن أبواب الترشيد والترشيق للتوصل الى موازنة عامة تُحقق حداً أدنى لسد نفقات البلاد التي تمر بظرف استثنائي. ودفع هذا الواقع رئيسَ الوزراء حيدر العبادي الى ابلاغ مجلس النواب بأن تراجع أسعار النفط أرغم العراق على الغاء مسودة ميزانية 2015 التي كان ينوي تقديمها إلى البرلمان الأحد.

وكانت الموازنة المنتظرة تستند إلى توقعات بأن سعر النفط 70 دولاراً للبرميل لكن الأسعار تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ أربعة أعوام الجمعة، بعد قرار منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) عدمَ خفض سقف الانتاج.

مقترحات لترشيد النفقات وزيادة الموارد

أبلغ العبادي أعضاءَ البرلمان الأحد بأن مجلسَ الوزراء اتفق على تشكيل لجنة وزارية للنظر في صياغة موازنة جديدة "من الصفر" تتولى إجراء مراجعة شاملة للنفقات العامة للدولة، للخروج بتوصيات تُقدم خلال أسبوع لمعالجة وخفض العجز المتوقع، وأن يتركز الإنفاق على الاولويات المطلقة ويتم تقديمها الى البرلمان خلال أسبوع أو عشرة أيام.

مهدي العلاق

مهدي العلاق

ويميل مدير مكتب رئيس الوزراء مهدي العلاق الى تسمية الموازنة الجديدة بـ"موازنة ترشيد"، مشخصاً وجود ترهل في النفقات رافق موازنات الأعوام السابقة التي قال انها خصصت مبالغ كبيرة لمشاريع لم تصل نسب الإنجاز فيها، في أحسن الأحوال، الى 60 بالمائة.ونبه العلاق الى ضرورة التوجه لتطوير اقتصاديات العراق ونقله من اقتصاد ريعي يعتمد على الموارد النفطية بشكل رئيس، وذلك بتنشيط ودعم القطاعات الأخرى صناعية وزراعية وسياحية.

وفي الوقت الذي يعكف مجلس الوزراء على إعادة النظر في أبواب الترشبد وضغط النفقات في الموازنة الجديدة، تقترح اللجنة المالية البرلمانية أبواباً ومنافذ بهذا الصدد، يتمثل بعضها، بحسب عضو اللجنة النائب هيثم الجبوري، بفتح حساب مصرفي لكل موظف لضمان توفير سيولة نقدية، والاهتمام بالسياحة الدينية وموارد المنافذ الحدودية، وإعادة النظر في سعر برميل النفط الذي تبيعه وزارة النفط الى المصافي، وحجب البطاقة التموينية عن الموظفين من ذوي الدرجات العليا، وإعادة النظر في السماحات الضريبية، وتفعيل جباية الأجور مقابل الخدمات مثل الكهرباء والماء، وغير ذلك من الابواب.

هل سنشهد قراراً عراقياً مثل القرار الفنزويلي؟

أمر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الجمعة بإجراء إقتطاعات في الموازنة عقب انهيار أسعار النفط العالمية نتيجة قرار منظمة (أوبك) عدم خفض سقف الإنتاج. وأضاف مادورو خلال اجتماع مع موظفين أنه أصدر أوامر أيضاً بـ"إعادة النظر في تقديمات ورواتب جميع موظفي الوزارات والمؤسسات لرواتب كبار الموظفين والوزراء ورؤساء المؤسسات الحكومية ونوابهم".

بهذا الشأن بيّن مدير مكتب رئيس الوزراء مهدي العلاق ان مجلس الوزراء حريص على الا تتعرض رواتب ذوي الدرجات الوسطى ومحدودي الدخل الى الإضرار نتيجة الترشيد المنتظر في الموازنة.

وبلغت قيمة الموازنة العامة المقترحة من وزارة المالية نحو100 مليار دولار، منها 23 مليار دولار خصصت إلى الأمن والدفاع، بحسب وزير المالية هوشيار زيباري، مع عجز قد يصل الى 50 مليار دولار، ينتظر أن يسد من خلال زيادة الإنتاج النفطي.

ابراهيم بحر العلوم

ابراهيم بحر العلوم

ويعترف وزير النفط الأسبق والنائب حالياً إبراهيم بحر العلوم بغياب الرؤية العلمية في التخطيط والإنفاق والتحوّط من الازمات خلال السنوات السابقة، متمنياً أن يتمكن العراق من اجتياز الازمة الاقتصادية الحالية بحكمة. وايد بحر العلوم اعتماد سعر برميل النفط في تخطيط الموازنة الجديدة بـنحو 64 دولاراً للبرميل الواحد، متوقعا انخفاضا جديدا في أسعار النفط، وتوقف بتفاؤل عند الأجواء الإيجابية التي تسود العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم متزامنة مع زيارة وفد حكومة الإقليم الى بغداد حاليا، وتعبير الجانبين عن الرغبة في حل الخلافات والوصول الى اتفاقات مستقرة مما سيساهم في رفع صادرات العراق النفطية.

من جهته انتقد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أسلوب اعداد موازنات الاعوام السابقة التي قال انها لم تُعد وفق قواعد ورؤية مستقبلية، بل كانت نُسَخا عن الموازنات الأسبق مع تغيير بالمبالغ المخصصة، وقد شابها سوء الإدارة والتخطيط، فضلاً عن غياب الحسابات الختامية لموازنات الاعوام السابقة، ما أفقد المخططَ فرصة الكشف عن مواضع النجاح والفشل والتجاوز والإخلال في تنفيذ الموازنات التي تمثل قوانين تحتاج في حالة تغييرها الى تعديلات قانونية.

الكشف عن 50 ألف جندي وهمي، والبقية تأتي

في الوقت الذي يمثل تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" مِخرزا موجِعا في خاصرة الدولة العراقية وميزانيتها من خلال الكلفة المتصاعدة للعمليات العسكرية ضد مسلحيه، وتقديم العون للنازحين عن المناطق والمدن التي سيطر عليها التنظيم، يمثل الفساد الإداري والمالي مخرزا آخر يواصل استهدافه للبلاد واقتصادها منذ سنوات، وفي شكل من أشكال الفساد في المؤسسة العسكرية، كشف تحقيقٌ حكومي أن هناك 50 ألف "جندي وهمي" في قائمة الرواتب التي تدفعها الحكومة لقواتها.وأبرز التحقيق أن هؤلاء "الجنود الأشباح" أما أنهم لا يوجدون أصلا أو أنهم لم يلتحقوا بعملهم منذ مدة لكن الرواتب تدفع لهم بانتظام. واغلب الظن ان ضباطا فاسدين يتسلمون تلك المبالغ.

ونقلت (بي بي سي) عن المتحدث باسم رئيس الوزراء رافد جبّوري قوله أن الحكومة أمرت بوقف صرف هذه الرواتب، وان التحقيق بدأ عندما باشرت الحكومة في صرف الرواتب في الآونة الأخيرة، وان رئيس الوزراء حيدر العبادي بدأ في اتخاذ إجراءات صارمة لكشف الجنود الأشباح ومعالجة المشكلة من جذورها.

وتوقع الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن مبالغ كبيرة جرى تبديدها في قطاع القوات العسكرية والأمنية كرواتب للجنود الوهميين أو الفضائيين (بحسب المصطلح العراقي الذي شاع مؤخرا) ما زاد من مخاطر الفساد الإداري والمالي على الدولة ومؤسساتها وميزانيتها.

في هذه الاثناء كشف عضو اللجنة المالية النيابية فالح الساري عن وجود 716 موظفاً بدرجة وكيل وزير و4535 بدرجة مدير عام يثقلون الموازنة بمخصصاتهم، وفيما بيّن ان جسد الدولة العراقية يعاني من ترهل كبير، أشار في حديث لفضائية "السومرية" الاحد ان اللجنة التي شكلها مجلس الوزراء ستعمل على ضغط النفقات غير الضرورية في الوزارات.

تُرى كيف سيواجه المخططُ موازنةً لمرحلة تواجه هذه الظروف الضاغطة؟ يعتقد مراقبون أن تخصيصات الدفاع ومواجهة تنظيم "داعش" ومستجدات المواجهات العسكرية وتدبير شؤون النازحين المعيشية ستستهلك قسما كبيرا من الموازنة التي يمكن اعتبارها "موازنة طوارئ"، بحسب عبد الرحمن المشهداني، بينما ستسعى الحكومة لضمان استمرار رواتب ومعونات اجتماعية وتقاعد لأكثر من ستة ملايين عراقي، فضلا عن ضمان تشغيل خدمات الدولة الى الحد الممكن.

شارك في اعداد الملف الصوتي مراسل إذاعة العراق الحر في بغداد رامي احمد.

XS
SM
MD
LG