روابط للدخول

سياسة تقشفية يمليها هبوط اسعار النفط وصعود "داعش"


هبطت اسعار النفط الى أدنى مستوياتها منذ اربع سنوات. وهبط سعر نفط القياس أكثر من دولارين يوم الثلاثاء الى نحو 77 دولارا للبرميل، وهو أدنى سعر منذ ايلول عام 2010. واهتزت سوق النفط بنبأ إقدام العربية السعودية على خفض سعر نفطها الذي تصدره الى الولايات المتحدة من أجل التنافس مع الزيادة الكبيرة في انتاج النفط الصخري الاميركي. وكان العراق سبق العربية السعودية بخفض سعر نفطه الشهر الماضي. وبذلك تكون اسعار النفط هبطت بنحو 20 في المئة منذ حزيران الماضي.

وبصرف النظر عن اسباب هذه الهبوط فان نتائجه بالغة الضرر على العراق ذي الاقتصاد الأحادي باعتماده شبه الكامل على سلعة واحدة هي انتاج النفط وبيعه. ويكفي للتدليل على الخسائر المالية التي يتكبدها العراق من هبوط اسعار النفط انه كان العام الماضي يحتاج الى بيع نفطه بسعر 106 دولارات للبرميل من أجل اعداد موازنة بلا عجز في حين يحتاج هذا العام الى بيع البرميل من نفطه بسعر 111.2 لتأتي موازنته متعادلة.

وتوقع صندوق النقد الدولي ان ينكمش الاقتصاد العراقي بنسبة 2.7 في المئة هذا العام لأول مرة منذ الغزو الاميركي عام 2003، بعدما سجل نمواً زاد معدله على 4 في المئة العام الماضي علما بأن هذه النسبة كانت الأضعف منذ عام 2007، بحسب صندوق النقد الدولي.

"جزء من المشكلة الاقتصادية والمالية التي نواجهها هي هذا الانفاق على اللجان الشعبية وعلى الميليشيات والجيش وعلى التعاقدات" ... هوشيار زيباري

ويأتي هبوط اسعار النفط في اسوأ وقت يمكن تصوره بقدر تعلق الأمر بالعراق الذي يواجه اليوم تحديات استثنائية في مقدمتها اعادة بناء قواته المسلحة في مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" الذي يسيطر على مناطق واسعة من شمال العراق وغربه. ويتزامن هذا الهبوط مع تزايد الحاجة الى الانفاق الحكومي ودفع رواتب جهاز وظيفي متضخم وتغطية تكاليف البطاقة التموينية وتوفير مأوى ومساعدات انسانية للنازحين والمهجرين الذين تقدر الأمم المتحدة عددهم بأكثر من مليونين.

هوشيار زيباري

هوشيار زيباري

وقال زيباري في مقابلة مع وكالة رويترز استعرض خلالها بعضاً من هذه التحديات ان "جزء من المشكلة الاقتصادية والمالية التي نواجهها هي هذا الانفاق على اللجان الشعبية وعلى الميليشيات والجيش وعلى التعاقدات". وكشف زيباري ان "اكثر من مليار دولار أُنفقت على الميليشيات منذ حزيران الماضي" في اشارة الى سقوط الموصل بيد داعش واطلاق الحشد الشعبي بعد انهيار فرق كاملة من الجيش العراقي في 10 حزيران.

وأخطر ما قاله زيباري في حديثه لوكالة رويترز توقعه ان تستمر المعركة ضد داعش فترة طويلة واستنزاف موارد العراق المالية على المدى البعيد بسبب متطلبات هذه المعركة. وشدد زيباري على ضرورة ان تكون ميزانية 2015 بمستوى التحديات التي تواجه العراق واقتصاده في هذه المرحلة.

"التعيينات في موازنة العام الحالي ستكون من اول ضحايا الأزمة الاقتصادية الناجمة بترحيلها الى موازنة 2015" ... عبد الزهرة الهنداوي

اذاعة العراق الحر التقت المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي الذي أقر بأن هبوط اسعار النفط يؤثر تأثيرا مباشرا على موازنة الدولة التي تشكل عائدات النفط المصدر الرئيسي لتمويلها وبالتالي فان هبوطها يخلق ازمة اقتصادية قائلا ان التفكير في معالجة هذا الوضع يسير على محورين هما اعادة ترتيب الأولويات من جهة والغاء بعض ابواب الانفاق غير الضرورية من الجهة الأخرى.

واشار الزهرة الهنداوي الى ان التعيينات في موازنة العام الحالي ستكون من اول ضحايا الأزمة الاقتصادية الناجمة بترحيلها الى موازنة 2015 مع اعطاء الأولوية لملفات أشد الحاحا مثل تسليح القوات المسلحة وإعادة تأهيلها وقضية النازحين والمهجرين والأعباء التي تتحملها المحافظات التي استقبلتهم فيما يتعلق بالخدمات والتعليم والصحة والسكن.

واستعرض الهنداوي مواطن الخلل في الاقتصاد العراقي مشددا على غياب التوازن بين الجانب التشغيلي والجانب الاستثماري في الموازنة وجهاز اداري فيه نحو اربعة ملايين موظف تشكل رواتبهم عبئاً على خزينة الدولة والبطاقة التموينية التي تسهم بقسطها في ارهاق الموازنة مؤكدا التوجه نحو ايجاد مصادر دخل اخرى تقلل الاعتماد على النفط.

الحكومة عاجزة الآن عن الانفاق مثلما كانت تنفق في السابق وبدأ التقشف فعلا في البلاد ... نور البجاري

وأكدت عضوة لجنة الاقتصاد النيابية نور البجاري ان تحذيرات أُطلقت من مجيء اليوم الذي تهبط فيه اسعار النفط ولا تكون لدى الحكومة مصادر دخل أخرى لتمويل موازنتها ومشاريعها محملة حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مسؤولية ذلك بتخلفها على امتداد ثماني سنوات عن تنفيذ قانون التعرفة الجمركية والنهوض بالصناعة الوطنية ودعم الزراعة وتشجيع المنتوج المحلي، الخ.

وقالت البجاري ان الحكومة عاجزة الآن عن الانفاق مثلما كانت تنفق في السابق وبدأ التقشف فعلا في البلاد متهمة الحكومة السابقة بارتكاب خطأ فادح عندما أعدت موزانة 2014 على اساس نحو 90 دولارا لبرميل النفط وبذلك تجاهل تحذيرات لجنة الاقتصاد ومطالبتها بحساب اعتمادات الموازنة على اساس سعر اقل، والمواطن اليوم يدفع ثمن هذه السياسات الخاطئة، بحسب وصفها.

ونوهت نور البجاري بخبرة رئيس الوزراء حيدر العبادي من خلال رئاسته اللجنة المالية في البرلمان السابق وتصميمه على انتهاج سياسة جديدة لكنها اضافت ان التركة التي ورثها تركة ثقيلة مشددة على ضرورة اعداد موازنة 2015 بناء على سعر أقل لبرميل النفط وايجاد مصادر دخل اخرى من الصناعة والزراعة لكنها استبعدت تطبيق قانون الضرائب لأن ليس من الجائز ان نتوقع من المواطن ان يدفع ضرائب دون خدمات توفرها الدولة مقابل هذه الضرائب، كما لاحظت البجاري.

وحذرت البجاري من وقوع كارثة إذا لم يحدث تغيير جذري في الوضع لا سيما وان التنظيمات المسلحة تسيطر على مناطق تسهم بنسبة كبيرة من عائدات العراق النفطية وغير النفطية فضلا عن الالتزامات التي تنتظر الحكومة بتعويض المواطنين المتضررين من سكان هذه المناطق.

أكثر من 72 مليار دولار دخلت خزينة الدولة العراقية حتى نهاية تشرين الأول كلها أُنفقت ... ماجد الصوري

المحلل الاقتصادي باسم جميل انطوان اقترح تحشيد كفاءات عراقية من خارج الدولة لإعداد موزانة تراعي المصروفات الاضافية التي فرضتها الحرب مع داعش باجراءات تقشفية على ألا تستهدف الشرائح الفقيرة التي تعيش حالة تقشف دائم اصلا بل تمتد الى رواتب كبار المسؤولين والمدراء والسلع الترفية والكماليات وامتيازات النواب والرئاسات ، الخ.

الخبير المالي ماجد الصوري من جهته رأى ان مشكلة العراق الأساسية هي غياب الادارة الرشيدة لموارده المالية والفساد قائلا ان أكثر من 72 مليار دولار دخلت خزينة الدولة العراقية حتى نهاية تشرين الأول كلها أُنفقت. ودعا الصوري الى تشكيل غرفة عمليات خاصة بالاقتصاد فقط لتعبئة كل الطاقات والموارد المتوفرة في العراق من اجل احداث تنمية سريعة ، بما في ذلك تأسيس بنك لهذا الغرض معتبرا ان الاوضاع الاستثنائية تتطلب اجراءات استثنائية.

توقع صندوق النقد الدولي ان يكون نمو اجمالي الناتج المحلي العراقي غير النفطي سالباً بالمقارنة مع نموه بنسبة 7 في المئة عام 2013 وذلك بسبب إضعاف الثقة من جراء الوضع الأمني وقطع امدادات الوقود والكهرباء بسبب القتال وزيادة تكاليف التبادل التجاري والتوزيع.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي اعده مراسل اذاعة العراق الحر حازم الشرع.

XS
SM
MD
LG