روابط للدخول

من يقف وراء إعلام (داعش)؟ وأين الإعلام العراقي منه؟


بعد احدى عشرة سنة من انفتاح الفضاء الإعلامي في العراق، والحديث عن تأسيس إعلام دولة، مستقلاً ومهنياً، وليس "اعلام حكومة"، ودعوات لمواثيق شرف المهنة، وضمان حرية الراي والتعبير، كيف ينظر أبناء السلطة الرابعة الى تأثير الأعلام العراقي اليوم؟

وكيف يقيّمون دوره في مواجهة إعلام (داعش)، التنظيم المتشدد التكفيري الدموي الذي يستبق أداءه العسكري بترويج إعلامي ترهيبي وحربٍ نفسية مؤثرة؟

محاور ناقشناها مع ضيوف برنامج (حوارات) الشاعر الناقد علي حسن الفواز، والكاتب الاعلامي توفيق التميمي، والمخرج التلفزيوني طالب السيد.

من اليمين: الصحفي والكاتب توفيق التميمي الشاعر والناقد علي حسن الفواز المخرج التلفزيوني طالب السيد

من اليمين: الصحفي والكاتب توفيق التميمي الشاعر والناقد علي حسن الفواز المخرج التلفزيوني طالب السيد

بدا واضحاً مؤخرا ان اعلام تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية (داعش) ارتبط منذ البدء بالحواضن الإعلامية العربية والإقليمية الأكثر تخصصا وخبرة واحترافا والقادرة على التأثير في الراي العام بما تمتلكه من مساحة كبيرة للمتلقي، بحسب الكاتب علي حسن الفواز، الذي خلصَ الى أن الاعلام العراقي لم يتمكن من مواجهة الخطاب المرتبط بمنظومة سياسية وإعلامية وثقافية لها حواضن في الفضاءات الإعلامية العربية المؤثرة والتي تمتلك قوة التأثير بما يجعل المقارنة بينها وبين الإعلام العراقي غير موضوعية.

هل كان مباغتاً كلُ ذلك؟

يعترف الإعلامي توفيق التميمي بان تفوّق ماكنة اعلام التنظيمات "الإرهابية" في توظيف مواقع التواصل الاجتماعي والأنترنت لم يكن مباغتا، فالحدث السياسي هو المباغت وليس الإعلامي، فضلا عن قوة احتراف الحواضن الإعلامية والايديولوجية. ولنتذكر بان (داعش) وليدة القاعدة والجماعات الارهابية التي امتلكت خبرات في توظيف التقنيات الحديثة لنشر خطاباتها والترويج لرؤاها، ولذا ليس من الموضوعية التعامل مع الإعلام العراقي بمختلف اطيافه ومنابره في سلة واحدة بمواجهة اعلام (داعش)، ولا بد من الإشارة هنا الى ان بعض وسائل الاعلام العراقية انحدرت الى مستوى تحولت فيه الى صدى لإعلام الجماعات الارهابية واصبحت نافذة لتمرير وترويج بياناتها بحيث يصعب وضع تلك المؤسسات في خانة الاعلام الوطني.

اشرت الوقائع الأخيرة تجاهلاً لخطورة الاعلام والحرب النفسية في الحرب الحديثة من قبل الدولة العراقية وربما الاعلام الرسمي. فلم نجد تحركاً إعلاميا مبكرا يوازي قدرة التنظيمات الإرهابية على التحريض والترويج لأفكارها المتشددة والتكفيرية.

ويعترف المخرج طالب السيد بان احدى تجليات تنظيم ما يعرف بالدولة الاسلامية (داعش) كونه ظاهرة إعلامية جديرة بالدراسة والانتباه، إذ تمكن طاقمها الإعلامي من إدارة اللعبة الإعلامية بحرفنة مستثمرا تقنيات الاتصالات الحديثة، ومستثمرا مواقع التواصل الاجتماعي بكفاءة عالية، ما كشف عن إمكانيته في ادارة العملية الإعلامية من عدة مستويات تضمنت جس النبض واطلاق بالونات اختبار وتقصي اثارها، في وقت تعامل الاعلام العراقي (الرسمي وغير الرسمي) خبريا وبطريقة رد الفعل فحسب.

يتوقف كثيرون امام تساؤل: ما المطلوب من الاعلام العراقي "الوطني" في مواجهة اعلام التنظيمات المتشددة وافكارها التكفيرية التوسعية الترهيبية؟

تنوعت اراء ضيوف برنامج حوارات، الفوّاز والتميمي والسّيد، بين ضرورة مأسسة العمل الإعلامي والدعوة لتوقيع ميثاق شرف للمهنة في التعاطي مع الخبر بمسؤولية، وبين الحاجة لتحرير ضمائر الصحفيين من جذور التحزب والاصطفاف الخنادقي، والتحسب الوطني للتعامل مع المخاطر التي تواجه الوطن، وبين هذا وذاك لا ينكر ضيوف برنامج حوارات أن ازمة الاعلام العراقي جزءٌ من الازمة العامة في البلاد، بل أحد وجوهها.

يشخّص الفواز ضعفَ تأثير الإعلام العراقي في صناعة الرأي العام لافتقاده الى الكثير من المهنية ناهيك عن التبديّات الإعلامية، التي تنحصر في الاعلام الحزبي والخنادقي، والتي لم تؤد الى خلق وعي سياسي حاد، مشخصا ان "أزمة البيئة الإعلامية ازمة دولة"، فالمشكلة ليست بالقدرات الشخصية ولكن بتوصيف علاقة الإعلام بالدولة، والمجتمع، ما يؤثر بشكل كبير في صناعة الاعلام.

يبدو أن احدى عشرة سنة لم تكن كافية لصياغة اعلام مؤثر. فقد كان الاعلام جزء من الازمة العراقية وليس حلاً لها. فعلى تخوم أي ازمة سياسية كان الإعلام مؤجِجاً لها، خصوصا وانه افتقد الى ميثاق شرف لحماية وترسيخ المعايير المهنية، بحسب توفيق التميمي، الذي لاحظ ان اغلب وسائل الإعلام تحولت الى ساحة صراع هدفَ بعضُها الى احتواء وتضليل المعلومة، وليس التدقيق في صدقيتها ونشرها، مؤشراً انه لم يحدث تمازج مرن بين صحفييّ العقود السابقة (أو من ينسبون الى عهد النظام السابق، والعديد منهم يتوفر على خبرة وكفاءة مهنية مشهودة) وبين جيل جديد من الصحفيين والإعلاميين، ممن لم تتوفر لهم الخبرة والدراية والتعلم، فقد شاب العلاقة بين الجيلين التربص والريبة من قبل البعض مع الأسف.

بين إعلام الدولة وإعلام الحكومة

كان من المأمول منذ التغيير في 2003 ان يشهد العراقُ ولادة هيئة اعلام مستقلة ومهنية مدعومة من الدولة، تقترب من نموذج هيئة الإذاعة البريطانية BBC لكن الواقع ان مثل هذا النموذج أصبح "اعلام حكومة" بارتباطه مادياً واداريا، وخضوعه لرقابة مستشارين يتحكمون بالصحفي وعمله أحيانا بأسلوب التلويح والتهديد الإداري والمادي.

ويشير المخرج طالب السيد الى انه برغم حرية الفضاء الإعلامي المتاحة في العراق بعد 2003 (الذي بدا محسوداً من قبل دول الإقليم على هذا الصعيد) ما زال أداء أغلب وسائل الإعلام ضعيفاً، غير قادر على ايصال رسالته المنتظرة، وشدد السيد على دور التمويل لتلك المؤسسات في التحكم بنهجها الإعلامي ودورها في صياغة رأي عام، إذ ان الجهة الداعمة والممولة تسعى الى تحقيق رسالتها فحسب، ما أفقدها الاستقلالية في اغلب الأحيان.

لا ينكر ضيوف برنامج حوارات وجود طاقات وكفاءات صحفية جيدة في الوسط، لكن ازمة البيئة الإعلامية أنها انعكاس لازمة الدولة وقد تفاقمت بغياب توصيف العمل الإعلامي وعلاقته بالمجتمع ومسؤوليته واخلاقياته، ما انعكس سلبا على أداء بعض العاملين في الوسط الإعلامي وأعاق تطوير إمكانيات غير قليل من العاملين.

ولا يغفل المراقب ان عددا من وسائل الاعلام والفضائيات العراقية حاز على ثقة ورضا المواطن ولامسَ بعضها، برغم التنافس الكبير، الموضوعية والدقة وابتعد شيئا ما عن التحزب والطائفية والتخندقات ما قربها من التأثير على خيارات وتوجهات المتلقي، ومغازلة ميوله، ولا يمكن التغاضي عما تعرض اليه صحفيون وإعلاميون في العراق من تهديدات متباينة في خطورتها دفع الكثير منهم حياته ثمنا لجرأته ومهنيته أحيانا.

يمكن الاستماع الى الحوار كاملا في الملف الصوتي ادناه

XS
SM
MD
LG