روابط للدخول

مسؤولون وخبراء: داعش تهدد تراث العراق الثقافي


منارة الحدباء في الجامع النوري الكبير - الموصل

منارة الحدباء في الجامع النوري الكبير - الموصل

تُــحـذّر حكوماتٌ ومنظمات وأطراف عدة حول العالم من أن مخاطرَ تنظيم الدولة الإسلامية لا تقتصر على انتهاكات حقوق الإنسان وتدمير البنى التحتية وتغيير أنماط الحياة الاجتماعية وإبادة الأقليات العرقية والدينية بل تشمل محو التراث الثقافي للحضارة الإنسانية برمتّها.

وفي إطار هذه التحذيرات، تــَــــــــركّـــــزت أعمالُ ندوةٍ نظّمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) UNESCO في باريس أخيراً على التهديدات الخطيرة التي يتعرض لها التراث الثقافي العراقي وسُبــــُل حمايته.

وأوضح بيان صحفي أن الندوة التي أُقيمت يوم الاثنين الماضي (29 أيلول) أكدت الحاجة الملحّة للعمل دون توانٍ في هذا الشأن إذ "دُمّــــــرت ونُـــهبت مواقع ثقافية عراقية، مثل مقام النبي يونس في الموصل والقصور الآشورية والكنائس وغيرها من المعالم. كما يُخشى أن تتعرض الممتلكات الثقافية التي تم الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية للإتجار غير المشروع. وقد شدد المشاركون في الندوة على أن حماية هذا التراث، حتى في حالة الحرب، إنما تُعتبر ضرورة أساسية لا غنى عنها".

بوكوفا

بوكوفا

ونُقل عن المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا تحذيرها من "أن معالم التراث الثقافي الإسلامي واليهودي والمسيحي والكردي وغيرها من المعالم يجرى تدميرها والاعتداء عليها عن عمد في إطار ممارسات تتعلق بوضوح تام بشكل من أشكال التطهير الثقافي. وما نخشاه هو مدى اتساع نطاق الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وهي الممارسات التي عانى منها العراق أشد المعاناة خلال العقد الأخير"، بحسب تعبيرها.

ورغم عدم توافر إحصاءات عن كمية القُطع والآثار التي يتم الاتجار بها فإن خبراء ومسؤولين ودبلوماسيين يتخوفون من وجود العديد منها في أيدي المهرّبين. فيما أكد مشاركون في الندوة أن داعش تقوم "بأعمال تنقيب لبيع الممتلكات الثقافية في الأسواق الأوروبية والآسيوية بواسطة دول مجاورة. وبهذه المبيعات تموّل الأعمال الإرهابية". وفي هذا الصدد، نُقل عن المدير العام لدائرة المتاحف العراقية قيس حسين رشيد "أن تحفاً لا يمكن أن تقدّر بثمن، وترقى إلى ألفيْ عام، قد تم تهريبها إلى خارج البلاد".

البيان الصحفي لليونسكو أشار أيضاً إلى الندوة المهمة الأخرى عن الموضوع ذاته والتي نظّمها (متحف المتروبوليتان) في نيويورك تحت عنوان (التراث الثقافي المهدد بالخطر في العراق وسوريا) بمشاركة وزير الخارجية الأميركي جون كيري.

وفي الكلمة التي ألقاها خلال تلك الندوة التي انعقدت في 22 أيلول الماضي، وصَف كيري تدميرَ الكنوز الثقافية في العراق وسوريا بأنه "عمل قبيح بربري همجي لا يمكن تبريره"، على حد تعبيره. وأضاف قائلاً:

"باتت الكنوز العريقة في العراق وفي سوريا الآن ضحية لاستمرار الحرب وأعمال النهب. ولم تفعل أية مجموعة أخرى لوضع تراثنا الثقافي المشترك في مواقع القتال بالبنادق أكثر مما فعلته داعش. إن أفعال داعش لا تقتصر على قطع الرؤوس، إنهم يمزقون نسيج حضارات بأكملها. ليس لديها أي احترام للحياة. ولا تحترم أي دين. ولا تحترم الثقافة، التي هي في الواقع أساس الحياة بالنسبة للملايين."

كيري خلال مؤتمر صحفي في بغداد - 10 أيلول 2014

كيري خلال مؤتمر صحفي في بغداد - 10 أيلول 2014

وقال كيري أيضاً إن أفعال داعش "أبعد ما تكون عن إخفاء تدميرها الكنائس والمساجد، إنها تبث أخبار هذه الأفعال بكل فخر لتظهر لجميع دول العالم تصرفاتها الشاذة ولتخويفنا جميعاً وربما حملنا ذلك على التراجع عن قيمنا. بالنسبة لأبناء شعبيْ العراق وسوريا الأبييْن - أصحاب الحضارات العريقة والحضارات الرائعة - يمثل تدمير تراثهم إهانة نهائية مقصودة، ومثال آخر على شر داعش وحقدها. إنها تسرق الحياة، نعم، ولكنها أيضا تسلب الملايين أرواحهم"، بحسب ما ورَد في نصّ الكلمة المنشورة على موقع وزارة الخارجية الأميركية.

وفي تقريرٍ بَــثّته وكالة رويترز للأنباء تحت عنوان "آثار عراقية لا تقّدر بثمن في السوق السوداء بعد انتصارات الجهاديين" نُقل عن مسؤولين عراقيين وغربيين أن قُطعاً أثرية عراقية تُعرض في السوق السوداء وأن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية يستعينون بوسطاء لبيع كنوز لا تقدّر بثمن بعد اجتياحهم شمال البلاد. وأشار التقرير إلى اكتساب المسلحين قدراً من الخبرة في تجارة الآثار بعد سيطرتهم على مساحات واسعة في سوريا فلما سيطروا على محافظة نينوى في حزيران وضعوا أيديهم على نحو ألفيْ موقع أثري من بين 12 ألف موقع مسجّل في العراق.

وفي إشارتها إلى ندوة باريس، نقلت رويترز عن رشيد قوله للصحافيين على هامش الندوة مستشهداً بتصريحاتٍ لمسؤولين محليين إن "أبرز مثال لعمليات النهب التي حدثت حتى الآن شهدها القصر الكبير للملك الآشوري أشورناصربال الثاني في كلخ." وأضاف "سرقت لوحات آشورية وتوجد الآن في مدن أوروبية بعضها جرى تقطيعها وتباع مجزأة."

فيما صرح مسؤول عراقي آخر طلب عدم ذكر اسمه بأن القطع الأثرية تُستخرج من باطن الارض أيضاً وطالبَ الدول المجاورة مثل الأردن وتركيا ببذل جهد أكبر لمنع نقلها عبر الحدود. وأوضح أنها "تُـــــنقَل عبر الحدود وتصل لصالات المزادات في الخارج"، مضيفاً "من المؤسف أن حصيلة بيع هذه التحف ستستخدم لتمويل الإرهاب."

وكانت إذاعة العراق الحر سَـــــــــــلّطت الأضواء على تدمير مسلحين لمعالم أثرية في الملف الإخباري المنشور تحت عنوان "معالم العراق تُدمّــر" (27 تموز) واستضافت فيه رئيسة قسم الدول العربية في مركز التراث العالمي في منظمة (يونسكو) ندى الحسن التي تحدثت من باريس عن تجربة المنظمة الدولية في مجال حماية التراث خلال الحروب، قائلةً:

صورة من متحف التاريخ الطبيعي في بغداد

صورة من متحف التاريخ الطبيعي في بغداد

"إن تجربة اليونسكو وللأسف الشديد كبيرة جداً في مجال حماية التراث خلال الحروب إذ أن هذه التجربة تراكمت خاصةً منذ تدمير تماثيل بوذا في أفغانستان وتدمير المساجد والمزارات في مالي والدمار الحاصل حالياً في سوريا وكل ما يجري في المنطقة العربية...علماً بأن اليونسكو تعمل مع الخبراء المحليين والدوليين للتعامل مع هذا الوضع." وأضافت أنه بالنسبة للعراق "أحد أهم المجالات هو عمل المنظمة للحد من الاتجار غير المشروع بالتراث المنقول والذي غالباً ما تتناوله تقارير إعلامية حول ما يجرى حالياً من سرقة للتراث الثقافي العراقي وتسويقه في الأسواق العالمية."

وفي المقابلة التي يمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي، تحدثت الحسن أيضاً عن المساعدات التي تقدمها منظمة يونسكو لحماية الآثار العراقية المهرّبة إلى خارج البلاد وذلك بموجب قرار خاص أصدره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2003 لمنع الاتجار بهذه الآثار في العالم أجمع. وفي هذا الصدد، وصَفت تأثير ذلك القرار الدولي بأنه كان "إيجابياً" في التقليل من الاتجار غير المشروع بالتراث المنقول العراقي "ولكن في هذه الأحداث الأخيرة تَــــــفاقَـــــــــم الاتجار بالآثار من العراق"، بحسب تعبيرها.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي يتضمن مقطعاً صوتياً من كلمة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري في متحف المتروبوليتان في نيويورك ومقابلة مع رئيسة قسم الدول العربية في مركز التراث العالمي في منظمة (يونسكو) ندى الحسن متحدثةً من باريس.

  • 16x9 Image

    ناظم ياسين

    الاسم الإذاعي للإعلامي نبيل زكي أحمد. خريج الجامعة الأميركية في بيروت ( BA علوم سياسية) وجامعة بنسلفانيا (MA و ABD علاقات دولية). عمل أكاديمياً ومترجماً ومحرراً ومستشاراً إعلامياً، وهو مذيع صحافي في إذاعة أوروبا الحرة منذ 1998.

XS
SM
MD
LG