روابط للدخول

اسباب انعدام ثقة المواطن باللجان التي تشكلها الحكومة أو البرلمان


تسلم رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي مسؤولية بلد يقف في مواجهة تحديات تهدده بالتفكك والانهيار. ويأتي في مقدمة هذه التحديات تردي الوضع الأمني باجتياح تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" مناطق واسعة من العراق وعودة الميليشيات والتصفيات والاغتيالات التي تحمل بصمة طائفية. كما سيتولى العبادي إدارة دولة ينخرها الفساد حتى ان منظمة الشفافية الدولية ظلت طيلة السنوات السابقة تضع العراق بين أكثر دول العالم فسادا في تقاريرها السنوية. وحين يجتمع انعدام الأمن مع الفساد فان النتيجة تكون خليطا متفجرا يهدد بنسف استقرار دول أقوى من العراق الذي خرج من حروب متعددة وعقوبات قصمت ظهر اقتصاده واحتلال أجنبي اعقبته عملية سياسية هشة متعثرة.

ويُلاحظ ان من بين الوسائل التي تستخدمها الحكومة في محاولتها التصدي لهذه التحديات تشكيل لجان. فعندما يُقتل صحفي تُشكل لجنة وعندما يُغتال كاتب تُشكل لجنة وعندما يُغدر سياسي تُشكل لجنة . وعندما تنهار فرق عسكرية كاملة بكامل اسلحتها ومعداتها أمام مئات من المسلحين تُشكل لجنة. وعندما يقع هجوم ارهابي على مسجد أو حسينية تُشكل لجنة. وعندما تشكو قرية من انقطاع الماء عن حقول مزارعيها تُشكل لجنة. وعندما تحتج بلدة على انقطاع الكهرباء تُشكل لجنة. وعندما تنبه منظمات مدنية ومواطنون الى وجود تلاعب في توزيع مفردات الحصة التموينية تُشكل لجنة. وعندما يطعن طلاب في درجات امتحاناتهم تُشكل لجنة. وعندما يُشتبه بوجود فساد في دائرة من دوائر الدولة تشكل لجنة. وهناك لجان في البرلمان ولجان تفتيش في الوزارات ولجان تحقيق تكاد ان تُشكل في كل مفصل من مفاصل الدولة وبعد كل اعتداء وعمل اجرامي. واليوم إذ يسعى العبادي الى تشكيل حكومة جديدة سارعت الكتل المختلفة الى تشكيل لجان أو فرق تفاوضية ، لا فرق ، مهمتها اعداد مطالب وشروط للاتفاق على المشاركة في الحكومة.

والحق ان تشكيل لجان لمعالجة هذه المشكلة أو تلك تقليد عريق في الجهاز الاداري منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة. ولكن تشكيل اللجان شهد طفرة كمية ونوعية كبيرة منذ عام 2003 بتناسب طردي مع تزايد مشاكل العراق وأزماته.

وأثار انتشار اللجان انتقادات واسعة ليس لكثرتها بقدر ما لهزالة محصلتها. فاللجان تُشكل وتُدفع مخصصات لأعضائها على اساس انهم يؤدون عملا اضافيا ولكن عملها نادرا ما يأتي بالنتائج المنشودة. وبلغت انتقادات المواطنين للجان الى حد القول ان اسهل طريقة لقتل قضية ما أو إبقائها دون حل هي تشكيل لجنة خاصة بها.

اذاعة العراق الحر التقت عضو التحالف الوطني عباس البياتي الذي عزا صيت اللجان السيئ الى اسباب متعددة منها انعدام الثقة بين السياسيين أنفسهم والضغط على اللجان لتقديم نتائج عملها بسرعة غير واقعية تُحدد احيانا بساعات كأن تكون في غضون 48 ساعة في حين انها قد تحتاج الى اسابيع أو حتى شهور وكذلك اساءة فهم دورها والتعامل معها وكأنها أجهزة قضائية لها سلطة التجريم واصدار الأحكام على المتهمين. ولاحظ البياتي ان سجل اللجان الهزيل تاريخيا تضافر مع انعدام الثقة بين الفرقاء السياسيين في اوضاع الأزمة الحالية ليزيد سمعة اللجان تردياً.

القيادي في ائتلاف الوطنية حامد المطلك رأى ان نظرة المواطن السلبية الى ما يُشكل من لجان لا تنفصل عن خيبة أمله بمؤسسات الدولة عموما التي فقدت كل مصداقية لها بين العراقيين بسبب فشلها في تلبية حاجاتهم فضلا عن المشاحنات بين السياسيين في ظل أزمة لا توفر ناحية من نواحي الحياة سواء أكانت تفشي البطالة وتردي الخدمات أو انهيار الوضع الأمني وتصاعد أعمال العنف.

ولاحظ استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد خالد عبد الاله ان من الاسباب الكبيرة لتشكيك المواطنين في جدوى اللجان التي تُشكل عدم اختيار الأشخاص المؤهلين لعضوية مثل هذه اللجان والأهم من ذلك بكثير عدم تعاون أجهزة الدولة مع هذه اللجان حتى وإن كانت برلمانية تمثل السلطة التشريعية كما حدث مع لجنة حقوق الانسان النيابية عندما حاولت الوقوف على حقيقة ما جرى في سجن الرصافة خلال الفترة البرلمانية السابقة لكنها مُنعت من دخول السجن لأداء عملها بدعوى انها لم تأخذ الموافقات الرسمية اللازمة ولم تعمل ضمن الأطر الدستورية والقانونية رغم انها لجنة تابعة لأعلى هيئة تمثل ارادة الشعب ، وهي البرلمان.

وأكد الأكاديمي عبد الاله ان احداثا خطيرة مثل ما وقع في قاعدة سبايكر بمقتل مئات الجنود واختفائهم وما حدث في ناحية حمرين بمحافظة ديالى حيث قتل عشرات المصلين ، وما ارتكبه تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" من جرائم نكراء ، كلها تتطلب تشكيل لجان حقيقية تعلو على الخلافات بين الكتل السياسيين من اجل ألا تذهب دماء الضحايا سدى ولكي تكسب اللجان ثقة المواطنين بها بارساء مبدأ يجعل المواطن هو الضامن لسلامة العملية السياسية وذهاب السياسيين اليه وليس العكس لترجمة مفهوم "السلطة الخادمة" في الممارسة العملية ، على تعبير عبد الاله.

واعترف استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد خالد عبد الاله بأن أداء ما شُكل من لجان للتحقيق في اختراقات أمنية كبيرة لا يشجع على التفاؤل مشيرا الى اللجان التي شُكلت للتحقيق في عمليات الهروب من سجون متعددة في ابو غريب أو التاجي أو صلاح الدين رغم ان من أهم الثوابت التي يتعين الالتزام بها في عملها هو كشف حقيقة ما جرى للمواطن كي لا ينفض يديه من اللجان وتتأكد شكوكه في جدواها كلما يسمع بتشكيل لجنة.

واعرب المحلل السياسي جاسم الموسوي عن الأسف لموقف المواطن من اللجان التي عودته هي نفسها على ألا ينتظر من عملها نتيجة تبين له حقيقة ما حدث سواء أكانت السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية هي التي تشكلها. وعزا الموسوي سبب انعدام ثقة المواطن باللجان الى الصفقات التي تُعقد بين الأطراف السياسية الممثلة فيها والتوازنات داخلها قائلا ان هذه التفاهمات كثيرا ما تؤدي الى التستر على أمور تبقيها هذه الصفقات طي الكتمان لا يعرف بها المواطن وبالتالي فان اللجان قد تبدو مهنية في ظاهرها لكنها في بنيتها الداخلية ترتبط بمصالح قوى واحزاب سياسية.

الخبير القانوني طارق حرب نبه الى ان غالبية اللجان تُشكل على الضد من الدستور بجمعها بين ممثلين عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في هيئة واحدة انتهاكا لمبدأ الفصل بين السلطات علما بأن هذه اللجان تستضيف في احيان كثيرة مسؤولين وحتى وزراء من اركان السلطة التنفيذية التي تكون ممثلة في هذه اللجان.

ودعا الخبير القانوني طارق حرب الى اعادة النظر في قضية اللجان مناشدا البرلمان تحديدا إلا يُكثر منها لا سيما وانها اصبحت في الغالب مبعث تسويف ومماطلة بدلا من أداء المهمة التي شُكلت من اجلها بالوصول الى الحقيقة ووضعها أمام الشعب والجهات المختصة. واشار حرب الى وجود 26 لجنة اضافة الى اللجان المؤقتة التي تُشكل لتدراك قضية معينة تنشأ لهذا السبب أو ذاك.

في هذه الأثناء اعلنت وزارة الداخلية تشكيل لجنة "من كبار الضباط" للتحقيق في حادثة المسجد في ناحية حمرين فيما اعلن مكتب القائد العام للقوات المسلحة تشكيل لجنة "عالية المستوى" للتحقيق في الحادثة نفسها.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي ساهم في اعداده مراسل اذاعة العراق الحر رامي احمد.

XS
SM
MD
LG