روابط للدخول

معالم العراق تُــدمّـــر


صورة لجامع النبي يونس في الموصل قبل التدمير

صورة لجامع النبي يونس في الموصل قبل التدمير

تُـــدمّر أمام مرأى العالم ومسمعِه معالم عراقية بارزة وسط حزن وألم شعبييْن ودهشةٍ محلية واسعة لغيابِ حتى بيانات الإدانة الرسمية ناهيكَ عن إجراءاتٍ فاعلة لردع مرتكبي هذه الجرائم عن تدمير المزيد.

مَرقدا النبييْن شيت وجرجيس في الموصل اللذان جرى تفجيرهما الجمعة كانا من آخر هذه المعالم المدمّرة ذات القيمة التاريخية العميقة والأهمية الحضارية البالغة ليس بالنسبة للعراق فحسب بل للتراث العالمي بأسره. وقد دُمّرا بعد يوم واحد على تفجير مَعلَمٍ أثري ومقدس آخر مَــــيّز المدينةَ على مرّ العصور واجتذبَ زواراً من مختلف الأديان السماوية هو مرقد النبي يونس.

ويفيد شهود عيان برواياتٍ موثّقة بصورٍ وأشرطة فيديو بأن سلسلة الهدم المماثل تتكرر منذ وقوع محافظة نينوى تحت سيطرة الجماعات المسلحة وعلى رأسها تنظيم (الدولة الإسلامية) في العاشر من حزيران.

وبعد أسبوع من سقوط الموصل، ناشدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) UNESCO العراقيين لأن يبقوا موحّدين حول حماية تراثهم الثقافي. وأعربت المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا Irina Bokova في السابع عشر من حزيران عن القلق والخشية الدولييْن من نهب وتدمير التراث الثقافي مرةً أخرى، كما حدث ذلك سابقاً في العراق وفي الأحداث المأساوية التي شهدتها وتشهدها سوريا.

إيرينا بوكوفا

إيرينا بوكوفا

وفي أعقاب الأنباء التي وثّــــــقت خلال الأيام الأخيرة تفجير العديد من معالم الموصل، أفادت مسؤولة في مقر اليونسكو لإذاعة العراق الحر الأحد بأن بوكوفا ستجدد خلال الساعات المقبلة مناشدة العراقيين كافة التوحّد في الحفاظ على تراثهم الثقافي من الإندثار.

وكانت بوكووفا قالت في تصريحاتٍ نشرها الموقع الإلكتروني لمنظمة يونسكو قبل أكثر من شهر "إننا ندعو جميع العراقيين للوقوف متّحدين لأجل حماية تراث البلد الثقافي. فإنه يمثل شهادة فريدة من نوعها للإنسانية، منذ أصول حضاراتنا، وشهادة على التعايش بين الأعراق والأديان. كما أنها وسيلة للتصالح وبناء مستقبل أفضل."

وأوضحت المسؤولة الأممية أن التهديدات الرئيسية بالنسبة لتراث العراق في الحالة الراهنة "هي استخدام المعالم والمواقع كأهدافٍ عسكرية، والنهب والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية." وأضافت "إننا ندعو جميع الأطراف لوقف أي شكل من أشكال التدمير للتراث الثقافي، بما في ذلك المواقع الدينية. وإن التدمير المتعمد هو من جرائم الحرب وإنه قدح في هوية الشعب العراقي وتاريخه. ويجب أن يُحَمل مرتكبوها مسؤولية هذه الأفعال."

من جهته، دانَ نيكولاي ملادينوف الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في العراق بأشد العبارات التدمير الأخير الذي طال ضريح ومسجد النبي يونس فضلاً عن تدمير العديد من الآثار التاريخية التي ترمز إلى التاريخ والتقاليد المشتركة.

ملادينوف يستقبل بان كي مون في مطار بغداد - 24 تموز 2014

ملادينوف يستقبل بان كي مون في مطار بغداد - 24 تموز 2014

وقال المبعوث الأممي الخاص في بيانٍ نشره الموقع الإلكتروني لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) الجمعة (25 تموز) "إن الاضطهاد المنهجي للأقليات وتدميرَ التراث الثقافي وطمسَ بعضٍ من معالم العراق القديمة التي تحظى بقدسية الإسلام والمسيحية يُبدي استهانة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بالقيم الإنسانية." ودعا ملادينوف "النخب السياسية في العراق الى تنحية خلافاتهم جانباً واستعادة سلامة بلادهم".

وكانت وكالات أنباء عالمية أشارت أخيراً إلى بيانات وأشرطة مصوّرة نشرها تنظيم (الدولة الإسلامية) على مواقع للتواصل الاجتماعي وتَفاخَـر فيها بهدم وتفجير ما وصَفها بـ "الأضرحة والأوثان في ولاية نينوى".

وأُفيد بأن من أبرز الاضرحة التي نُسفت بحسب ما ظهر في الصور ضريح الشيخ فتحي وقبر البنت ومزار وقبر شيخ الطريقة الصوفية أحمد الرفاعي، وقد هُدمت هذه المراقد بواسطة الجرافات. كما أظهرت الصور تفخيخ وتفجير حسينيات من بينها حسينيتا جواد وقدو في تلعفر وحسينية القبة وسط الموصل.

ما الذي يمكن لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة إجراؤه عملياً في المساعدة على صعيد حماية التراث العراقي؟

رئيسة قسم الدول العربية في مركز التراث العالمي في (يونسكو) ندى الحسن قالت في إجابتها لإذاعة العراق الحر عن هذا السؤال "إن تجربة المنظمة الدولية وللأسف الشديد كبيرة جداً في مجال حماية التراث خلال الحروب إذ أن هذه التجربة تراكمت خاصةً منذ تدمير تماثيل بوذا في أفغانستان وتدمير المساجد والمزارات في مالي والدمار الحاصل حالياً في سوريا وكل ما يجري في المنطقة العربية...علماً بأن اليونسكو تعمل مع الخبراء المحليين والدوليين للتعامل مع هذا الوضع." وأضافت أنه بالنسبة للعراق "أحد أهم المجالات هو عمل المنظمة للحد من الاتجار غير المشروع بالتراث المنقول والذي غالباً ما تتناوله تقارير إعلامية حول ما يجرى حالياً من سرقة للتراث الثقافي العراقي وتسويقه في الأسواق العالمية."

ندى الحسن المسؤولة في منظمة يونسكو

ندى الحسن المسؤولة في منظمة يونسكو

كما أوضحت الحسن أن من الأسهل بالنسبة لليونسكو "التعامل مع التراث المنقول والعمل على التقليل من الاتجار غير المشروع به إذ أن هذا التراث عندما يُتاجَر به فإن عملية الاتجار تتم خارج حدود الدول التي تخاض فيها الحروب علماً بأن العمل الذي ننفذه بشكل فعاّل في هذا المجال يجرى بالتعاون مع الشرطة الدولية (الإنتربول) وشرطة الحدود والمتاحف وتجار الآثار بشكل عام."

وفي المقابلة التي أجريتُها عبر الهاتف ويمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي، تحدثت المسؤولة في منظمة يونسكو عن موضوعات أخرى ذات صلة. كما أجابت عن سؤال آخر يتعلق بالمساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة منذ عام 2003 لحماية الآثار العراقية التي جرى تهريبها إلى خارج البلاد وذلك بموجب قرار خاص أصدره مجلس الأمن الدولي لمنع الاتجار بهذه الآثار في العالم أجمع. وفي هذا الصدد، وصفت الحسن تأثير ذلك القرار الدولي بأنه كان "إيجابياً" في التقليل من الاتجار غير المشروع بالتراث المنقول العراقي "ولكن في هذه الأحداث الأخيرة تفاقم الاتجار بالآثار من العراق"، بحسب تعبيرها.

وختمت المسؤولة في منظمة يونسكو تصريحاتها لإذاعة العراق الحر بالتشديد على أهمية دور المجتمع المحلي في الحد من تدمير التراث، مشيرةً إلى العديد من الأمثلة حيث كان لتكاتف السكان المحليين الدور المؤثر في منع الحفريات غير الشرعية في المناطق الأثرية. وأضافت أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "تدعو المجتمع المحلي لعمل ما يمكنه في توعية الأفراد حول عدم الاشتراك في نهب التراث خلال الحرب وللتوقّف ضد تدميره."

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي يتضمن مقابلة مع رئيسة قسم الدول العربية في مركز التراث العالمي في منظمة (يونسكو) ندى الحسن متحدثةً عبر الهاتف من باريس.

  • 16x9 Image

    ناظم ياسين

    الاسم الإذاعي للإعلامي نبيل زكي أحمد. خريج الجامعة الأميركية في بيروت ( BA علوم سياسية) وجامعة بنسلفانيا (MA و ABD علاقات دولية). عمل أكاديمياً ومترجماً ومحرراً ومستشاراً إعلامياً، وهو مذيع صحافي في إذاعة أوروبا الحرة منذ 1998.

XS
SM
MD
LG