روابط للدخول

مراقبون:انتخاب فؤاد معصوم يفتح صفحة جديدة بين بغداد واربيل


الرئيس فؤاد معصوم

الرئيس فؤاد معصوم

حين انتُخب السياسي الكردي العراقي جلال طالباني رئيسا للجمهورية العراقية عام 2005 ومرة اخرى عام 2010 جرت عملية انتخابه بتوافق يقرب من الاجماع.

وكان مبعث السلاسة في انتخاب طالباني واعادة انتخابه، الى جانب تاريخه ومكانته في الحركة الوطنية، ان العملية السياسية رغم تعثرها كانت تجري في ظل اتفاق ضمني بين القادة السياسيين على حل خلافاتهم بالتفاهم والحلول التوافقية الوسط.

لكن الكثير من المياه العكرة مرت تحت الجسر في هذه السنوات. وتفاقم تعثر العميلة السياسية الى ازمة تزداد استفحالا مع كل يوم يمر. وتحت وطأة التردي الخطير في العلاقات الوطنية والجهود المضنية التي بذلها طالباني للتقريب بين وجهات النظر المختلفة أُصيب رئيس الجمهورية بجلطة دماغية وغاب عن المسرح السياسي منذ اواخر عام 2012.

في هذه الأثناء شهد العراق احداثا خطيرة بلغت ذروتها باجتياح تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) مناطق واسعة من غرب العراق وشماله. وتزامنت هذه التطورات التي وضعت وجود العراق نفسه على كف عفريت مع صعود اصوات تطالب بعدم اعطاء رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي ولاية ثالثة بعد خروج ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات الثلاثين من نيسان. وكان الكرد ممن توجهوا الى التحالف الوطني بمناشدة اطرافه تقديم مرشح غير المالكي لتولي رئاسة الحكومة، في مؤشر الى ما آلت اليه العلاقة بين حكومة المالكي وحكومة اقليم كردستان من تدهور خطير. وتبدت ازمة العلاقة بين الجانبين بأسطع صورها في اتهام المالكي حكومة الاقليم بالتواطؤ مع (داعش) ومقاطعة الوزراء الكرد جلسات مجلس الوزراء ودعوة رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني الى التحضير لاجراء استفتاء على مستقبل الاقليم.

في هذه الاجواء انتُخب السياسي الكردي المخضرم فؤاد معصوم رئيسا للجمهورية. وفي حين ان الرئيس جلال طالباني انتُخب بلا منافس فان مجلس النواب شهد تنافس ثلاثة مرشحين آخرين مع معصوم على الرئاسة. كما ان انتخاب رئيس الجمهورية لم يُحسم في جولة التصويت الأولى. ولولا انسحاب نائبة ائتلاف دولة القانون حنان الفتلاوي التي جاءت ثانية لأُجريت جولة أخرى. وهذه كلها مظاهر أزمة عميقة تمر بها العلاقات بين القادة السياسيين على النقيض من روح التفاهم التي شهدها البرلمان في جلسات سابقة لانتخاب رئيس الجمهورية.

وكان من الطبيعي ان يثير انتخاب معصوم ردود فعل متباينة. وذهب مراقبون الى ان موقف الكرد يتسم بمفارقات لا يمكن اغفالها لا سيما حديثهم عن حق تقرير المصير والانفصال واعلان دولة مستقلة من جهة واصرارهم على الاحتفاظ بمنصب رئيس الجمهورية ومطالبتهم بصرف حصتهم من ميزانية الدولة والسماح لهم بتصدير نفط الاقليم مع تسليم عائداته الى خزينة الدولة الاتحادية من جهة اخرى.

ولكن عضو مجلس النواب عن ائتلاف دولة القانون عباس البياتي وصف حديث الكرد عن الاستقلال بأنه شعارات وان انتخاب رئيس جمهورية كردي دليل حرص من جانب الكرد على البقاء جزء من العراق الموحد والعمل مع الكتل الأخرى في اطار من الشراكة الوطنية وبالتالي فان ما رفع من شعارات انفصالية أمر يمت الى الماضي، على حد تعبير البياتي.

عضو مجلس النواب عن ائتلاف "متحدون" علي جاسم من جهته ربط توقف الكرد عن التفكير في مشاريع انفصالية والتوجه الى الاستقلال باستعداد التحالف الوطني لتسمية مرشح يحظى بقبول السنة والكرد لرئاسة الوزراء في اشارة الى رفض ممثلي هذين المكونين اعطاء المالكي ولاية ثالثة.

واعتبر جاسم ان رئيس الوزراء الذي عليه توافق وحده القادر على منع التوجه نحو تقسيم العراق وان تلبية مطالب الكرد والعرب السنة المشروعة كفيلة بدرء الأخطار التي تهدد العراق بالتفكك متوقعا انه من دون رئيس وزراء ينال قبول جميع الفرقاء الرئيسيين فان الكرد سيمضون في تنفيذ مشاريعهم التي أعدوها لاعلان الاستقلال.

المستشار الاعلامي لرئاسة برلمان اقليم كردستان طارق جوهر قال "ان سياسات المالكي في التجاوز على الدستور والحصار الاقتصادي الذي فرضته حكومته على الاقليم وحجز حصته من الميزانية وقطع الرواتب واستبعاد الكرد عن عملية صنع القرار رغم مشاركتهم في الحكومة هي التي دفعت الكرد الى التلويح بالاستقلال".

واعاد جوهر التذكير بأن "الكرد حين كانوا منفصلين ومستقلين عن الدولة العراقية بعد انتفاضة 1991 صوت برلمانهم مع البقاء ضمن العراق ومرة أخرى بعد الغزو الاميركي والتغيير عام 2003 حين أسهموا بدور فاعل في كتابة الدستور لبناء عراق فيدرالي موحد اساسه الشراكة العربية الكردية وضمان حقوق سائر المكونات الأخرى والابتعاد عن التهميش والاقصاء".

وأكد المستشار الاعلامي لرئيس برلمان اقليم كردستان طارق جوهر مجددا "ان حق الشعب الكردي في تقرير المصير خيار مشروع اسوة بالشعوب العربية التي اقامت دولها المستقلة على اساسه وعلى رئيس الوزراء المقبل ان يعترف به"، لكنه اعرب عن اقتناعه بأن تطبيق الدستور وبناء دولة المواطن التي تعامل الجميع على قدم المساواة بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية والمذهبية وانهاء الطائفية وسياسات الاستبعاد والتهميش هي خير ضمان لبقاء الكرد في العراق والاسهام بقسطهم في بنائه وتطويره.

لكن السياسي الكردي طارق جوهر حذر من "ان النسج على منوال السنوات الأربع الماضية وانتهاج السياسات ذاتها التي قامت بدور حاسم في وصول العراق الى حاله اليوم سيُبقي خيار الاستقلال مفتوحا"، ولفت الى "ان الدولة العراقية ما زالت مثقلة بالعديد من مواطن الخلل التي لا تشجع المكونات المختلفة بما فيها المكون الشيعي على الاطمئنان الى الغد نظرا لغياب مشروع وطني واضح وآلية ذات معالم محددة لممارسة السلطة".

استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد حميد فاضل رأى ان العوامل الاقليمية والدولية هي الحاسمة في أي مشروع قومي كردي هدفه الاستقلال وانها اقوى حتى من مجئ رئيس وزراء يستجيب لمطالب الكرد مشيرا الى ان تبؤ الكرد مناصب رفيعة خلال السنوات الماضية بما في ذلك رئاسة الجمهورية التي شغلها قائد كردي وقطب سياسي بارز مثل جلال طالباني ورئاسة اركان الجيش ومنصب نائب رئيس الوزراء وحقائب وزارية مختلفة لم يثن القيادات الكردية عن الاتجاه بقوة نحو الدولة المستقلة.

وقال فاضل ان القيادات الكردية أدركت ان الوقت لم ينضج لاعلان الدولة الكردية المستقلة فعادوا الى حضيرة الحكومة الاتحادية بأمل ان تغير القوى الدولية الكبرى والدول الاقليمية موقفها من الرفض الى قبول الاستقلال بعد ان اكتشف رئيس الاقليم مسعود بارزاني ان محاولته جس نبض هذه القوى الدولية والاقليمية لم تلق استجابة مشجعة.

واعرب استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد حميد فاضل عن اعتقاده بأن هناك في داخل القيادة الكردية نفسها من يعارض اعلان الدولة الكردية المستقلة وخاصة الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يرى ان بقاء الكرد ضمن الدولة العراقية الاتحادية يعود عليهم بمنافع اكبر من انفصالهم أو على اقل تقدير ان الوقت لم يحن للاقدام على مثل هذه الخطوة الكبيرة.

رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية واثق الهاشمي ابدى اتفاقه مع الرأي القائل بأن الكرد ليسوا كلهم موحدين وراء الرئيس بارزاني في تلويحه بالاستقلال وان تصريحات وزراء كرد ومواقف قوى مثل حركة التغيير الكردية المعارضة تؤكد ذلك واصفا عودة الرئيس السابق طالباني بأنها عامل يمكن ان يعيد التوازن ويحد من الاستفراد بالسلطة في اقليم كردستان كما حدث خلال فترة غيابه.

وقال الباحث السياسي الهاشمي ان ردود الفعل الدولية والاقليمية والاصوات الكردية التي تختلف مع رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني تضافرت للتخفيف من التصريحات وشعارات الاستقلال واصفا الرئيس فؤاد معصوم بأنه يمثل الاعتدال الكردي وامتدادا لنهج طالباني من شأنه ان يكبح جماح التوجه نحو الاستقلال.

قال رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني عقب محادثاته مع الأمين العام للألم المتحدة بان كي مون في اربيل يوم الخميس الماضي انه سيبذل كل الجهود مع القادة العراقيين الآخرين "لاخراج العراق من ازمته الحالية ولكن في الوقت نفسه فان من حق الشعب الكوردستاني في ظل الاوضاع المعقدة الحالية ان يفكر في تقرير مصيره وألا ينتظر المصير المجهول".

ساهم في الملف مراسل اذاعة العراق الحر في بغداد حازم الشرع

XS
SM
MD
LG