روابط للدخول

ملادينوف: سئم أهل هذه البلاد من الانقسام الطائفي


رئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق نيكولاي ملادينوف

رئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق نيكولاي ملادينوف

أُنشئت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي" عام 2003 بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي. وتوسع دور البعثة بموجب قرار آخر صدر عام 2007. وتتمثل ولاية يونامي بتقديم المشورة والمساعدة الى حكومة العراق وشعبه في مجالات متعددة. ومن أهم هذه المجالات تشجيع الحوار السياسي والمصالحة الوطنية والمساعدة في تنظيم الانتخابات والتخطيط للتعداد السكاني وتيسير الحوار بين العراق وجيرانه وتعزيز حماية حقوق الانسان والاصلاح القضائي والقانوني.

ومن أشد المجالات التي يغطيها عمل يونامي حساسية وتعقيدا قضية المناطق المتنازع عليها في العراق بما في ذلك وضع كركوك. كما تسعى يونامي الى المساهمة في حل قضية عناصر منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة الذين نُقلوا من معسكر اشرف في محافظة ديالى الى معسكر ليبرتي قرب مطار بغداد الدولي تمهيدا لإعادة توطينهم. وأسهمت يونامي في تنظيم الانتخابات التي شهدها العراق خلال الأعوام السابقة. ومنذ تشكيل المفوضية المستقلة العليا للانتخابات واصلت بعثة الأمم المتحدة تقديم الدعم الفني لها فضلا عن المشورة.

وتتباين آراء السياسيين العراقيين والأوساط الشعبية بأداء يونامي ومدى نجاحها أو عدمه في تنفيذ هذه المهام واقترابها او ابتعادها من الأهداف التي وُجدت لتحقيقها، لذا اجرت اذاعة العراق الحر لقاء مع رئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق نيكولاي ملادينوف الذي تناول هذه المحاور وبخاصة الانتخابات البرلمانية التي جرت في الثلاثين من نيسان ودور يونامي في التحضير لها ومراقبتها. وفي هذا الشأن اعرب رئيس يونامي عن الارتياح الى مجرى العملية الانتخابية بناء على مشاهداته المباشرة:
"كانت هذه اول انتخابات يتولاها العراقيون أنفسهم بالكامل. وقامت الأمم المتحدة بدور استشاري لكن الدور الرئيسي في العملية نهضت به السلطات العراقية. وهي تستحق الكثير من الثناء على المهنية التي اتسمت بها عملية تنظيم الانتخابات. وفي يوم الاقتراع لاحظنا ان جميع منتسبي مفوضية الانتخابات والمراكز الانتخابية كانوا مدربين تدريبا حسنا وعلى أتم استعداد، إذ كانوا مطلعين تماما على الآليات والمهام المطلوبة بعد هذا الإعداد الجيد. وشاهدنا ايضا بعض التحديات التي كان على المواطنين مواجهتها للوصول الى مراكز التصويت بسبب المخاوف الأمنية. ولكن بالمقارنة مع الفترة التي سبقت الانتخابات، جرت عملية التصويت بسلام ما عدا بعض المناطق التي تعيش ظروفا صعبة وتواجه تهديدات أمنية. واجمالا اعتقد اننا جميعا مرتاحون إزاء بلوغ نسبة المشاركة زهاء 60 في المئة من الناخبين العراقيين. وهناك بالطبع بعض التحسينات التي نتطلع اليها في المستقبل. ولكن يوم الاقتراع مر بسلام".

واستعرض رئيس بعثة الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف دور "يونامي" في هذه الانتخابات بما في ذلك التعاون مع الكتل السياسية المختلفة لتمرير قانون الانتخابات والاستشارة التقنية لمفوضية الانتخابات حسب حاجتها:

"تمثَّل دور بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي" بتقديم الاستشارة الفنية في المجالات التي كانت مفوضية الانتخابات تحتاج فيها الى مثل هذه المساعدة. وعملنا بصورة مكثفة مع الكيانات السياسية من اجل التوصل الى اقرار البرلمان قانون الانتخابات وعملنا مع المفوضية لوضع بعض الآليات والتدابير بهدف التحضير ليوم الاقتراع. ولكن مجمل التنظيم كان بأيدي مسؤولي الانتخابات العراقيين. كما ان عملية العد والفرز يتولاها مسؤولو الانتخابات العراقيون. لكني أرى أهميةً في اطلاعنا على مجرى عميلة العد والفرز. ومنذ يومين كنتُ في كركوك وسوف اتوجه الى مناطق اخرى من البلاد كي ازور بعض مراكز العد. إذ انفرد العراق بوضع اسلوب متميز في العد وإعادة العد، الأمر الذي يؤدي الى التأخير في اعلان النتائج إلا انه يتيح درجة اضافية من الضمان في عملية الفرز".

وتناول رئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق نيكولاي ملادينوف الوضع في الانبار حيث لم يتمكن العديد من المواطنين المشاركة في الانتخابات والادلاء بأصواتهم نظرا للوضع الصعب في هذه المناطق. وفي هذا الشأن وصف المسؤول الدولي التهديدات الأمنية التي يتعرض اليها اهالي الأنبار بأنها تهديدات لا يُستهان بها:

"الوضع في الأنبار وضع صعب جدا بل ظل صعبا للغاية طيلة الأشهر الثلاثة الماضية ، وازداد تعقيدا بسبب حالة الفيضان في منطقة ابو غريب خلال الأسابيع الأخيرة. كما ان التهديدات الأمنية التي تستهدف اهالي الأنبار تهديدات لا يُستهان بها. ولكن الجانب الايجابي يتمثل في أعداد الانباريين الذين شاركوا في الانتخابات بالمقارنة مع الانتخابات السابقة. ويتبدى الجانب الآخر في إقدام مفوضية الانتخابات على اتخاذ تدابير تتيح للذين اجبرهم النزاع على النزوح الى مناطق أخرى امكانية المشاركة في الانتخابات مع اضافة اصواتهم الى أصوات محافظة الأنبار. ورغم ذلك يبقى الوضع في الأنبار صعبا للغاية، ومن شأن هذا ان يضع عراقيل في طريق عملية الاقتراع. ومن هنا فان خروج 60 في المئة من الناخبين للادلاء بأصواتهم يزداد أهمية. أما مشروعية الانتخابات وتقبل نتائجها فاننا سنراه من خلال رد فعل المواطنين لدى اعلان النتائج النهائية للانتخابات بعد انتهاء عملية العد والفرز. ولكن عملية التصويت نفسها كانت حسنة التنظيم".

وعن العمل الذي تقوم به يونامي في مساعدة النازحين بسبب العمليات العسكرية في الانبار وتقديم معونات انسانية لهم اوضح نيكولاي ملادينوف ان "يونامي" معنية مباشرة بتقديم المساعدات الى النازحين والمهجرين بما في ذلك ايجاد مأوى مؤقت لهم:

"منذ الأيام الأولى من كانون الثاني هذا العام بادرت يونامي الى تقديم المساعدة للمتضررين بالنزاع في الأنبار. فنحن معنيون أولا بالسعي الى إيصال المساعدات للمتضررين بسبب القتال والذين اضطُروا منهم للنزوح الى مناطق أخرى من البلاد ليصبحوا مهجرين في داخل العراق علما بأن عدد العائلات هذه عدد كبير. ونحن نقدم لها المساعدة في إيجاد مأوى مؤقت. ونعمل في هذا المجال مع وزارة الهجرة والمهجرين. ثانيا، نحن نبذل مجهودا كبيرا من أجل إيصال المساعدات للذين لم يغادروا الأنبار ويقيمون في مناطق متأثرة بالعمليات القتالية وليس بمقدورهم الرحيل بعيدا عنها وهم في غالبيتهم من اهالي القرى المحيطة بمدينة الفلوجة. تمكنا من تزويدهم بالماء والأدوية. والمناطق التي لم نتمكن من الوصول اليها طوال هذه الفترة هي مدينة الفلوجة بسبب استمرار العمليات العسكرية. ثالثا، نقوم منذ اسابيع بتوفير المساعدات للنازحين المنكوبين بالفيضانات الأخيرة، بما في ذلك توفير السكن المؤقت أو الخيام والمياه الصالحة للشرب والمواد الغذائية. فالوضع هناك خطير تماما".

رئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق نيكولاي ملادينوف تناول ايضا التنوع المذهبي والقومي للعراق والخلافات المستمرة بين الكتل السياسية التي تتحدث باسم مكونات الشعب العراقي. وفي هذا الشأن شدد المسؤول الدولي على عوامل الوحدة:

"هناك فعلا انقسامات كثيرة في العراق، ولكن عامل التوحيد هو ضرورة ان يقف الجميع معا في مواجهة المشاكل كعراقيين بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الطائفية. فالإرهاب والعنف يستهدفان جميع المكونات وما من فئة بمنأى من اعتداءات الجماعات الارهابية أو من العنف عموما. العراق بلد غني بنفطه وبموارده الطبيعية التي يمتلكها جميع العراقيين، ولا بد من التشارك فيها بشكل عادل ومن أجل مصلحة الجميع. وما يمكن أن تفعله الأمم المتحدة في الوضع الحالي وما تفعله فعلا هو أن تحث جميع الأحزاب السياسية، وهي تتفاوض بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، على الانطلاق من برنامج واضح جدا يتيح معرفة السياسات الواجب على جميع القطاعات والوزارات إتباعها ومن ثم الاتفاق على هذه السياسات من أجل تشكيل الحكومة المناسبة، الأمر الذي يزيد من الشفافية والقدرة على مساءلة الوزراء بما يتيح التصدي للتحديات التي تواجه البلاد والتعامل معها بطريقة لا طائفية. وسواء أكان المواطن سنيا أو شيعيا أو ينتمي إلى أقلية دينية، فإن الجميع بحاجة إلى تعليم جيد، وبحاجة إلى خدمات عامة جيدة، وقبل كل ذلك بحاجة الى الأمن والأمان".

ورغم الانقسامات التي تحدث عنها نيكولاي ملادينوف رئيس يونامي فانه اكد ان العراق يواصل مسيرته في البناء الديمقراطي بعد ثلاثة عقود من الدكتاتورية والحروب والنزاعات:

"العراق يتقدم. كانت أولى زياراتي للعراق في 2006 بعد الانتخابات التي جرت في 2005. ويمكنني القول إنني شاهدت الكثير من التقدم في البلاد. صحيح أن التحديات كبيرة للغاية ـ الأمن ، والعنف، والمؤسسات التي بحاجة إلى اصلاح وتلك التي يجب إقامتها، وثقافة حقوق الإنسان التي لا بد من غرسها في المجتمع، والتخلي عن الطائفية في الحياة العامة ـ كل ذلك مهم جدا، ولكن دعونا لا ننسى أن هذا البلد خرج من دكتاتورية وحشية استمر عهدها ثلاثة عقود كانت تقمع أي اختلاف معها في المجتمع ولم تتح للمجتمع العراقي بكل ثرائه ان ينضج ويزدهر. ودعونا لا ننسى أن العراقيين عاشوا فترة لا تقل عن ثلاثين عاما من العنف والنزاعات بضمنها الحرب العراقية ـالإيرانية وغزو الكويت وتحريره، والسنوات العشر الأخيرة التي جلبت النزاعات والإرهاب إلى هذا البلد. المعوقات صعبة، والسبيل إلى تجاوزها يتمثل في التركيز على تشخيص التحديات مع النظر إلى ما يمكن ان يقدمه العالم للعراق. وهنا يمكن للأمم المتحدة ومؤسساتها ووكالاتها أن تساعد من خلال توفير أفضل الخبرات والمعارف والمشورة من أجل تطوير العراق وتمكين الشعب العراقي ومن يختارهم ممثلين له من أن يقرروا بأنفسهم طريقة الاستفادة من مشورتنا".

واعتبر المسؤول الدولي ان ما تُسمى المناطق المتنازع عليها تندرج ضمن مهام يونامي ولكنه اعترف بتعطل عملها على هذا الملف:

"هذه المناطق تعتبر من مهام يونامي، أي حل الخلافات حول الحدود الداخلية، وأنا على يقين من ان افضل ما تحقق لحد الآن في ايجاد سبل تسوية هذه النزاعات هو العمل الذي انجزته الأمم المتحدة خلال سنوات الماضية. ولكن الطريق المسدود الذي دخله الموقف السياسي جمد عملنا على هذا الملف. وأنا أتطلع إلى تمكن البرلمان الجديد والحكومة الجديدة بالتعاون معنا من العودة مع حكومة أربيل إلى معالجة ملف الخلافات الحدودية وحلها".

وعن الجهود التي تبذلها يونامي لاعادة توطين المعارضين الايرانيين من سكان معسكر ليبرتي وأشرف قال ملادينوف ان الأمم المتحدة تبحث عن طريق يتيح رحيلهم عن العراق:

"عينت الأمم المتحدة ممثلا خاصا للبحث عن سبل اعادة توطين هؤلاء ونحن نعمل مع اصدقائنا وشركائنا الاميركيين الذين هم ايضا يبحثون عن مثل هذه الفرص لنقلهم. انها ليست عملية سهلة ولكن من المهم ان نجد طريقة تتيح لهم مغادرة البلاد ومواصلة حياتهم في مناطق أخرى من العالم. ومن البديهي ان أمن معسكرهم مهم ونحن نعمل مع ادارة المعسكر ومع السلطات العراقية للتأكد من احترام جميع الفرقاء للالتزامات الموقعة سابقا".

وفي ختام اللقاء قال رئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق نيكولاي ملادينوف ان عملا كثيرا ينتظر العراقيين لبناء وطن يتعايش فيه الجميع كمواطنين متساوين:

"كثيرون هاجروا من هذا البلد للبحث عن حياة في أماكن أخرى، وهذه حالة مستمرة منذ سنوات عديدة، خلال عهد النظام السابق وفي الوقت الراهن. لا بد من عمل الكثير لجعل العراق بلدا ناجحا ومقتدرا وعادلا مع مواطنيه كافة. نعود هنا إلى أهمية الوضع الأمني، ومن ثم توفير الفرص الاقتصادية لكي يفضل الشباب بصفة خاصة البقاء في بلدهم. ثالثا، لا بد من غرس ثقافة احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون في المجتمع بالاستناد إلى مبادئ الديمقراطية. وأخيرا وليس آخرا، ان العراق تميز على امتداد سنوات طويلة بكونه من بلدان المنطقة التي تتسم بأعلى نسبة من الزيجات المختلطة بين مختلف الطوائف والأعراق. لقد سئم أهل هذا البلد من الانقسام الطائفي. وعلينا أن نعمل بتأنٍ معهم جميعا من أجل ضمان المساواة للجميع ومشاركة الجميع وتوفير الخدمات للجميع. هُدرت سنوات طويلة وأُزهقت ارواح كثيرة على أيدي الإرهابيين واولئك الذين يستخدمون العنف لتحقيق اهدافهم".
XS
SM
MD
LG