روابط للدخول

اثار مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي أعدته وزارة العدل، جدلا سياسيا وفقهيا واجتماعيا بين مختلف الأوساط.

وتناولت وسائل اعلام محلية، والعديد من مواقع التواصل الاجتماعي، موضوع القانون مع اراء ومقالات غلب على اكثرها الاستنكار ُوالاستهجان للقانون وجدواه، خصوصا ما ورد من إمكانية تزويج البنت بعمر تسع سنوات.

وكان مجلس الوزراء أقر الأسبوع الماضي مشروع القانون (المدقق من قبل مجلس شورى الدولة)، وأحاله إلى البرلمان، مع التوجيه بتشكيل المرجعية الدينية العليا لجنة من لمواكبة تشريع القانون في مجلس النواب.

ويعتقد ناشطون أن طرح هذا القانون غير مناسب في الوقت الراهن، وآخرون يرون انه يسهم في تمزيق اللحمة الاجتماعية للشعب، بينما يزعم البعض بانه جاء لأسباب انتخابية، خصوصا وانه وجد دفاعا من قبل وزير العدل حسن الشمري، وحزب الفضيلة الذي ينتمي اليه.

بين القانون النافذ والمقترح غمطٌ لحقوق المرأة
الناشطة المدنية والحقوقية هناء ادوارد عدت مشروع القانون مسخاً لحقوق المرأة في العراق، خصوصا عندما أفصح عن إمكانية زواج الطفلة بعمر تسع سنوات.

وابدت هناء ادورد في حديث لإذاعة العراق الحر مخاوفها من ان ما يسعى القانون الجديد على ترسيخه هو شرعنة التمتع بالمرأة جنسيا، وتشجيع تعدد الزوجات دون الاهتمام بعقد الشراكة الزوجية لبناء الاسرة، بما سيضر كثيرا بالمجتمع العراقي.

ويشير متخصصون أن من موجبات كل تشريع جديد التوفر على غايةٍ يسعى لتحقيقها، ومصلحة يبتغيها، وحكمة ينطوي عليها.

ويرى القاضي سالم روضان الموسوي ان قانون الأحوال الشخصية النافذ كان حامياً لحقوق الجميع، ومنها الطائفة الجعفرية التي يزعم مشروع القانون الجديد حماية حقوقها.

ويؤكد القاضي روضان في مقال له أنه لم يسجَل منذ تاريخ صدور قانون الاحوال الشخصية عام 1959 مؤشرٌ سلبي اجتماعي او ديني جوهري على الاحكام الواردة فيه، وبذلك فان ما يزعم مشروع القانون الجديد تحقيقه من هذه الجهة لا اساس له.

من جانبها قالت عضو لجنة المرأة والأسرة النيابية انتصار الجبوري إنه على الرغم من عدم اطلاعها على مشروع القانون موضع الجدل، فاتها تتوقع عدم موافقة اللجنة النيابية على تمريره بل حتى مناقشته، لعدم ضرورته في الوقت الحالي، مقابل قوانين مهمة أخرى تتعلق بحقوق المرأة وحمايتها من العنف والإساءة.

ويرى حقوقيون أن قانون الاحوال الشخصية النافذ نجح في جمع الاحكام الشرعية، وصاغها على شكل قواعد قانونية من جميع المذاهب السائدة في العراق، خصوصا من المذهب الجعفري.
منبهين الى أن قواعد الاحوال الشخصية تمس كل مواطن منذ لحظة انعقاد النطفة في رحم الام، ولغاية مماته، وحتى بعد الممات، وهذه الاهمية لابد ان تُراعى بدقة عند التعامل مع مثل هذه القوانين.

ما ضرورةتشريع قانون للأحوال الجعفرية الآن؟
عن جدوى اصدار قانون جديد للأحوال الشخصية الجعفري اشار الخبير لقانوني طارق حرب في حديث لإذاعة العراق الحر الى ان القانون النافذ لا يخلو من سلبيات، وبحاجة الى التعديل، مستدركا ان الدستور العراقي لم يغفل دور خبراء الفقه القانوني لمعالجة التغيرات، التي يتعرض لها المجتمع، بما يوجب تعديل وتغيير القوانين لمواكبة تلك التغيرات.

وردا على التساؤل حول ما اذا كان الخبير القضائي يشترط ان يكون مسلما او من طائفة معينة؟ نفى ذلك حرب، وساق مثلا على الدور الكبير الذي لعبه الخبير في الفقه القانوني عضو المجمع العلمي العراقي، الشخصية المسيحية المعروفة الراحل يوسف حبي،

في غضون ذلك، وضمن أصداء إحالة مشروع القانون الى البرلمان قبيل الموسم الانتخابي، رأت قيادات سياسية شيعية انه اذا كان هذا القانون منسجما ومتوافقا مع قواعد الفقه الجعفري فلابد ان يُعطى الدور الاساسي في تشكيله للمرجعية العليا للطائفة، لأنها الاحق والاقدر في البت فيه، بدلا من طرحه من قبل جهة سياسية معينةن بحسب ما جاء في بيان صادر عن رئيس كتلة المواطن النيابية باقر الزبيدي الجمعة.

واشار الزبيدي الى ان القانون يفتقد لمظلة المرجعية العليا، وبالتالي فانه يكتسب صفة موافقة مجلس الوزراء السياسية على شان ديني صِرف. وكان ينبغي وضع مواد قانونية فيه تؤكد ضرورة الرجوع الى المرجع الاعلى للطائفة، للبت في تلك القضايا، والقول الفصل فيها.
وابدى البيان الاستغراب من ان يمرر مشروع قانون بمخالفات صريحة للدستور، واحكام الشريعة الاسلامية، في الوقت الذي "نسعى فيه جميعا لإقامة دولة مدنية يتمتع فيها المواطنون بكافة الحقوق وعليهم واجبات".

متخصصون: القانون الجديد لن يلغِ القانون الحالي
وفي الجانب التخصصي لفت الأستاذ في كلية القانون في جامعة كربلاء الدكتور علي البدري الى ان مشروع القانون الجديد ينطوي على ثغرات شكلية وموضوعية. فصياغته ليست قانونية، بل أقرب الى صياغة الرسائل العلمية لفقهاء الشيعة.

بينما بيّن زميله الدكتور علاء الجبوري في حديث لإذاعة العراق الحر ان قانون الأحوال الشخصية الجعفري لن يُفرض في حال تشريعه على من لا يرغب بتطبيقه عليه، لافتا الى ان مشروع القانون الجديد نص على انه لا يلغي القانون الحالي.

وليس بعيدا عن ذلك توقف أستاذ القانون خالد العرداوي عند التوقيت الذي يشعر العراقيون بحاجة ماسة للاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي، فينبغي ان تكون الاولوية لأمور مهمة تعزز الامان الداخلي. وليس اثارة جدل وخلافات في مواضيع غير بالغة الوجوب.

ناشطون في منظمات مدنية دعوا الى التصدي لإصدار قانون الأحوال الشخصية الجعفري، آملين بالسلطة التشريعية الوقوف ضد تمريره، لان اغلبيه الشعب العراقي لا يمكن ان تختزل برأي وزير، او مجموعة من النواب، ينصبون انفسهم قيمين على هذه الاغلبية، بحسب الناشطة والحقوقية هناء إدوارد التي اشارت في حديثها لإذاعة العراق الحر الى تقاطع مشروع القانون في بعض مواده مع الفقه الجعفري ذاته، وبقية المذاهب الإسلامية.

وبذلك فان المشروع لا يتوفر على الحكمة التي يزعم انه سعى اليها. بل إنه يسقط الهوية الوطنية عن العراقيين، ويعزز الهوية الطائفية والفئوية برأي ادورد.

كتّاب: القانون ترسيخ للطائفية وإذلال المرأة
في هذه الاثناء كتبَ عمار السواد في مقال له الجمعة "بمعزل عن الجدل حول قانون الأحوال الشخصية الراهن ومدى عدالته، وعن مضامين القانون الديني البديل، وما سينجم عنه من تهميش للنظام القضائي لصالح العمامة وتكريس المخاوف من إقامة حكم ديني، بمعزل عن كل هذا، فإن الخطوة تكشف بوضوح عن الاتجاه الطائفي في رؤية الأحزاب الدينية الشيعية للدولة."

واضاف الكاتب في مقاله: "بالطبع فالأمر ليس تبرئة للأحزاب السنية، هي الأخرى طائفية، وتعتمد أكثر من غيرها على الخطاب الطائفي، وربما ستوافق على القانون كي تحقق قانون أحوالها المذهبي".

ونشرت الكاتبة والروائية العراقية لطفية الدليمي على موقعها على الانترنت: "مشروع قانون الاحوال الجعفري يبيح للزوج ان يتعامل مع زوجته كما لو كانت بغياً"، مستندة في تشبيهها هذا الى المادة 126 من المشروع التي تنص على "عدم وجوب النفقة من الزوج اذا كانت زوجته صغيرة او كبيرة غير قادر الاستمتاع بها"، أي ان النفقة تكون مقابل الاستمتاع بالزوجة، بحسب تفسير الدليمي التي اضافت أن المادة 121 من مشروع القانون المقترح ثبتت حق الزوج على زوجته "الاستمتاع بها في أي وقتما يشاء وأن عليها الا تخرج من البيت الا بإذنه".

ساهمت في الملف مراسلة اذاعة العراق الحر في بغداد ليلى احمد

XS
SM
MD
LG