روابط للدخول

هجرة الأطباء العراقيين مستمرة مَن يعالج هذا النزيف؟


في صالة العمليات باحد مستشفيات دهوك( من الارشيف)

في صالة العمليات باحد مستشفيات دهوك( من الارشيف)

على الرغم من ان الدكتور أحمد الاختصاصي في الجراحة العامة يدرك صعوبة حصوله على عمل في بلدان الهجرة، لكنه اضطر أخيرا وبعد فترة تفكير وتقييم الى ترك عيادته ومرضاه ومهنته التي يحبها، مع زوجته الدكتورة لبنى الاختصاصية بالأشعة والتشخيص الطبي، ليغادرا العراق مع طفليهما الى الولايات المتحدة، من خلال برنامج إعادة التوطين الذي يتيح للعراقيين الهجرة، هرباً من مصاعب ومخاطر الحياة التي تواجههم في بلدهم.

تخرج احمد قبل سبع عشرة سنة في كلية طب بغداد، وعمل طبيبا ثم نال البورد العراقي ليصبح جراحا ناجحا في عدد من المستشفيات العامة والخاصة، ويعتبر مورده المالي في ظل الأوضاع الاقتصادية في العراق جيدا جدا، لكن مقاومته بدأت تضعف كما يقول مع تعقّد الأوضاع الأمنية والاجتماعية، وتفاقم القلق على ولديه الصغيرين، وتعرضه وعدد من زملائه الأطباء الى التهديد والابتزاز بأشكال مختلفة خصوصا تحت عنوان الفصل العشائري، في حال حدوث مضاعفات في العمليات الجراحية، بحسب اهل المريض.

هذه قصة واحدة من مئات القصص التي تنطبق على اطباء وطبيبات اضطروا الى الهجرة وترك بيوتهم واهلهم ومهنتهم الى بلاد لا تتوفر فيها فرص العمل في القطاع الطبي بسهولة، الا بعد مراحل معقدة من الدراسة والامتحان والتدريب والاختبار.

الصحة: 20 ألف طبيب غادر العراق منذ الثمانينات
يقر الطبيب الاستشاري الدكتور رافد الخزاعي بان هجرة الأطباء والكفاءات العراقية مرت بمراحل متعددة، فقد وضحت في بواكير السبعينات لاسباب عديدة منها سياسية وهربا من القمع الفكري، لتتبعها سنوات الحرب بين العراق وايران في الثمانينات، والفرار من الموت المجاني.

ويمثل العقدان الاخيران اوضح فترات هجرة الأطباء العراقيين حيث فرض الحصارُ الاقتصادي قسوته الى العراقيين خلال التسعينات، بينما تسبب العنف والإرهاب وارتباك الأوضاع الأمنية والاجتماعية بعد 2003 بدفع الكثير من الأطباء الى خارج بلدهم.

وتقدر وزارة الصحة اعداد الأطباء العراقيين الذي خسرتهم البلاد الى بلدان الهجرة واللجوء منذ بداية الثمانينات بنحو 20 ألف طبيب بحسب المتحدث باسم الوزارة زياد طارق الذي أقر بان عقدَ التسعينات شهد اكبر موجة هجرة للأطباء العراقيين، وخصوصا الشباب منهم عندما كانت رواتبهم لا تزيد عن أربعة دولارات شهريا، ما دفع بعضهم الى التحايل ودفع الرشى لدوائر السفر من اجل عدم تثبيت مهنتهم كطبيب في جواز السفر، وابدالها بمهن غير ذات قيمة للالتفاف على قرار منع الأطباء من السفر حينذاك.

وعلى الرغم من هذا النزف النوعي للأطباء مازالت الكليات الطبية العراقية تخرّج المزيدَ منهم، حيث يكشف الدكتور زياد طارق عن ان تلك الكليات تخرّج حاليا حوالي 3000 طبيب سنويا، وبرغم ذلك فان الحاجة لذوي المهن الطبية متزايدة .

طبيب: سألني الخاطفون لمَ لمْ تغادر العراق؟
في حوار مع البروفيسور الدكتور قيس كبه الذي اضطر الى ترك العراق بعد اختطافه عام 2007 من قبل مجرمين ابتزوا عائلته لأطلاق سراحه، كشف عن ان الخاطفين سألوه عن سبب عدم تركه العراق لحد الان؟ كبه المتخرج من كلية طب العراق عام 1958 تحدث لاذاعة العراق الحر عن وجود الالاف من الاطباء الاختصاصيين العراقيين في دول المهجر حاليا، ملاحظا ًبدهشة أن هناك نحو خمسين عراقيا ً يتبوؤون مراكز علمية وإدارية رفيعة في مؤسسات طبية في العاصمة البريطانية لندن لوحدها.

وفضلا عن حرص اغلب الدول على الحفاظ على ثروتها من الكفاءات العلمية والطبية، فقد واجهت بعض الدول المتحضرة شحتها من الكفاءات بأساليب مختلفة، فعلى سبيل المثال عالجت المؤسسة الصحية البريطانية مشكلة قلة الأطباء المخدرين في مستشفياتها قبل سنوات عن طريق دعوة الأطباء الأجانب بهذا التخصص للعمل مع منحهم الجنسية البريطانية تشجيعا لهم.

ترى ما السبيل لاستعادة هذه الكفاءات الثمينة الى العراق ثانية والحد من اساب هجرة اقرانهم؟
يعتقد عضو لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب الدكتور حمزة الكرطاني ان تحسين رواتب الأطباء وتقدير الكفاءة والتخصص ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب فضلا عن توفير سبل العيش الكريم من شانه تشجيع الأطباء المهاجرين على العودة، متمنيا من وزارة الصحة توفير شروط مشجعة أخرى لحث الأطباء المهاجرين على العودة، معتبرا اصدار قانون (حماية الأطباء) من شانه توفير بعض الشعور بالأمان لدى الأطباء.

لكن المتحدث باسم وزارة الصحة زياد طارق يلفت الى ان تهيئة ظروف جاذبة للطبيب العراقي للعودة لا تقتصر على وزارة الصحة فحسب، فالأمر تضامني وتكافلي يهم كل المجتمع وتشترك بمسؤوليته مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية إضافة الى وعي مجتمعي وشعبي، زياد أوضح في حديثه لإذاعة العراق الحر ان الوزارة غالبا ما اقترحت قوانين وإجراءات تهدف لتشجيع ودعم الطبيب لكنها لم تجد استجابة من جهات ذات علاقة.

يشعر الطبيب الاستشاري ظافر الخزعلي بالإحباط عندما يشير الى ان طريق العودة ليس معبدا وجاذبا للأطباء الذين اختاروا على مضض ترك بلدهم، وربما نجحوا في تأسيس حياة امنة ومهنية ناجحة في المهجر، فما زالت الأوضاع في العراق صعبة لمن يريد إعادة تأسيس حياته مجددا.

وتحضر نظرية المؤامرة بجدارة في هذه الموضوع، اذ يرى البعض ان هناك مخططا يهدف الى سلب العراق من كفاءاته العلمية والطبية ينفذ منذ عقود، ونشط بشدة خلال العقدين الأخيرين كما يذكر ذلك عضو لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب حمزة الكرطاني، الذي عدّ ذوي الكفاءات والتخصصات الطبية ثروةً وطنية ينبغي الحفاظ عليها وحمايتها.

ساهمت في الملف مراسلة اذاعة العراق الحر في بغداد براء عفيف
XS
SM
MD
LG