روابط للدخول

ظاهرة "الاتجار بالبشر" والقوانين المشرّعة للحدِّ منها


تقرير للخارجية الأميركية عن "الإتجار بالبشر" لعام 2012

تقرير للخارجية الأميركية عن "الإتجار بالبشر" لعام 2012

يعد الاتجار بالبشر من الجرائم العالمية الخطيرة التي تعاني منها مجتمعات عديدة، لأن هذه التجارة تعتمد على تحويل الانسان الى سلعة يتم التعامل بها ومقايضتها وفقاً لرغبة المتاجرين والمشترين، إذ تؤكد المعطيات ان هذه التجارة تقودها شبكات منظمة وتدر أرباحاً طائلة.
ويَعتبر قانون مكافحة الاتجار بالبشر في العراق الذي شرّع العام الماضي، ان الاتجار بالبشر يُقصد به (تجنيد اشخاص أو نقلهم أو ايواؤهم أو استقبالهم، بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها، أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة، أو باعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة أو ولاية على شخص آخر بهدف بيعهم، أو استغلالهم في أعمال الدعارة، أو الاستغلال الجنسي، أو السخرة، أو العمل القسري، أو الاسترقاق، أو التسول، أو المتاجرة بأعضائهم البشرية، أو لأغراض التجارب الطبية).

وفي العراق، وجدت هذه التجارة في زمن النظام السابق وازدهرت في فترة التسعينيات، بعد أن تأثر المجتمع العراقي بالعقوبات الاقتصادية التي فرضت عليه دولياً على خلفية غزوه الكويت عام 1990. وراجت هذه التجارة آنذاك وتعرض العديد من المواطنين الى عمليات نصب واحتيال من قبل اشخاص ينتمون الى شبكات منظمة متخصصة بسرقة الاعضاء البشرية. ويقول عميد كلية الاعلام بجامعة بغداد الدكتور هاشم حسن ان ظاهرة الاتجار بالبشر إزدهرت بشكل مخيف بعد عام 2003 ، نتيجة الانفلات الأمني وفي ظل عدم وجود قوانين صارمة جادة بمعاقبة المتورطين.

ولم نعثر على إحصاءات توثق عدد ضحايا تجارة الاتجار بالبشر، في وقت عبرت شابات عراقيات عن قلقهن من هذه الظاهرة، وطالبن الحكومة بوضع حد لها. وتؤكد الشابة رويدة (25 عاماً، خريجة كلية)، ان هذه التجارة لاسيما الاتجار بالفتيات العراقيات تؤثر في سمعة العراق. فيما ترى الشابة داليا سعدي (26 عاماً، بكالوريوس ادارة واقتصاد)، انه متى ما وفرت فرص العمل للنساء وتشعر بالاكتفاء فانها لن تنجرَّ الى ما يُقدَّم لها من مغريات وتقع ضحية الاحتيال.
وتؤكد النائبة السابقة ورئيسة مؤسسة العراق للتنمية وحقوق الانسان شذى العبوسي عدم وجود احصائية دقيقة بعدد ضحايا الاتجار بالبشر، مشيرة الى ان النساء والاطفال اكثر من يعانون من هذه التجارة.

وتقول العبوسي ان الاتجار بالبشر لا يرقى الى مستوى الظاهرة في العراق، وان غياب الارقام الدقيقة بضحاياها لا يعني ان الحكومة تتعمّد اخفاء المعلومة، بدليل ان ضحايا العنف الاسري موثقة لدى الجهات الحكومية المعنية. وبينت ان منظمتها ساهمت في تقرير سيداو الذي تضمن ثلاثة محاور هي العنف الاسري، والاتجار بالبشر، والمشاركة السياسية للمراة.
يشار الى ان مجلس النواب كان قد شرّع قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 والذي تضمن عقوبات للمدانين بتجارة البشر. وفي هذا الصدد تؤكد وزيرة الدولة لشؤون المراة ابتهال الزيدي انه بمجرد تشريع القانون تم تشكيل لجنة في وزارة الداخلية واصبحت وزارة المرأة عضواً فيها لمتابعة هذه الظاهرة وحماية الاشخاص الذين تتم المتجارة بهم، وخصوصا النساء والاطفال.

ويرى مراقبون ان المجتمع العراقي يعاني من ظواهر سلوكية خطيرة نتيجة ضعف المتابعة الحقيقية من قبل الجهات المعنية. ويؤكد الدكتور هاشم حسن ان احد اسباب ازدهار ظاهرة الاتجار بالبشر هي إنتشار بيوت الدعارة. واوضح حسن ان ظاهرة البغاء موجودة في كل دول العالم لكن يجري تنظيمها ومتابعتها من الناحية الصحية وعدم انجراف المجتمع بسببها، اما في العراق فان بيوت الدعارة تعمل بشكل عشوائي وبدون أي رقيب وبتواطؤ بعض الاشخاص في الاجهزة الامنية، لافتاً الى ان هذه الدور تنعش تجارة النساء والاطفال، وهي وكر لعقد الصفقات المُنظمة والارهاب.

غير أن الناطق باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن ينفي ما جاء به الدكتور هاشم حسن حول انتشار بيوت الدعارة وتسببها برواج تجارة النساء، مؤكداً ان هناك مصدات اجتماعية تمنع تفشي ظاهرة بيوت الدعارة، منها الاعراف الاجتماعية والتقاليد، فضلا على مجسات وزارة الداخلية باجهزتها الاستخباراتية التي تراقب هذه الظاهرة والتي قال ان انتشارها قلَّ عن السابق الى حدٍّ كبير.
ويرفض العميد معن ان يصنف الاتجار بالبشر بكونه ظاهرة، ويعتبر ذلك أمراً مبالغاً فيه، في ظل المتابعة الدقيقة لوزارة الداخلية ونشاط الشرطة المجتمعية في هذا الجانب، فضلاً عن تشريع قانون مكافحة الاتجار بالبشر الذي ساند عمل الداخلية.
ويبين الناطق باسم وزارة الداخلية ان هناك إشكالاً في الفهم القانوني لضحية الاتجار بالبشر، ويجب التمييز بين الضحية التي تختطف وتجبر على العمل في بيوت الدعارة، وبين من تعمل بارادتها.

وتضمن قانون الاتجار بالبشر عقوبات عديدة بحق المدانين بشكل مباشر او الذين يثبت تقديمهم مساعدات للمجرمين .وتراوحت العقوبات بين السجن (3-15) سنة، مع غرامات مالية، وتصل العقوبة الى الاعدام اذا تسبب بموت الضحية. واكد القانون ان موافقة المجنى عليه لا تكون مبرراً لتبرئة المجرم، كما ألزم معالجة الضحايا عن الاضرار النفسية وإعادة دمجهم في المجتمع عبر مراكز اجتماعية وايوائية والحفاظ على سرية المعلومات واعادة تاهيلهم، وألزم القانون ايضاً رعاية غير العراقيين الذين يتعرضون للاتجار ومساعدتهم في الرجوع الى بلدانهم بعد تأهيلهم نفسياً.

وترى عضو لجنة حقوق الانسان في مجلس النواب أشواق الجاف ان قانون مكافحة الاتجار بالبشر غير متكامل، ولابد من تشريع قانون جديد يكون افضل من القانون الحالي الذي يعاني من وجود بعض الثغرات فيه.
ويعول العديد من المهتمين على وسائل الاعلام في محاربة الظواهر السلبية في المجتمع العراقي وتسليط الضوء عليها ومنه الاتجار بالبشر. الا ان عميد كلية الاعلام الدكتور هاشم حسن يرى ان الصحافة العراقية لم ترتق بعد الى مستوى يمكن من خلاله الكشف عن مثل هذه الظواهر عبر صحافة استقصائية جادة، مؤكداً ان اغلب وسائل الاعلام تعتمد على التصريحات والاخبار الجاهزة، مادةً لمضمونها الاعلامي.

XS
SM
MD
LG