روابط للدخول

تحليل غربي: الأمل يمتزج بالخوف في عراق اليوم


احد مواقع البناء في مدينة كربلاء

احد مواقع البناء في مدينة كربلاء

بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على الانسحاب العسكري الأميركي من البلاد يُـبدي العراقيون تفاؤلاً كبيراً بالمستقبل رغم معاناتهم من أهوال حرب استمرت نحو عقد من الزمن. وفي عراق اليوم، يمتزج الأمل بالخوف على نحوٍ واضح في مظاهر إعادة البناء التي يمكن رؤيتها جنباً إلى جنب نقاط التفتيش والسيطرات الأمنية.

هذا ما تخلص إليه صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية في مقالٍ أعادَت نشرَه جريدة (فايننشيال تايمز) البريطانية الاثنين واسـتنَد في استنتاجاته إلى عشرات المقابلات التي أُجريت هذا الصيف مع عراقيين في أنحاء البلاد قال العديدُ منهم إن حياتهم كانت أكثر أماناً ورخاءً قبل عام 2003، معربين عن الاعتقاد بأن إطاحة النظام السابق لم تستحق الثمن الباهظ الذي دفَعَته كل من الولايات المتحدة والعراق. وتلاحظ الصحيفتان الغربيتان البارزتان أنه فيما تتلاشى آثار أقدام آخر الجنود الأميركيين من رمال الصحراء الساخنة وتضمحل تأثيرات الاحتلال تظهر للعيان صورة العراق صيف 2012 في مشاهد من الحياة اليومية في الشوارع والمنازل، وفي المدن والقرى، وفي الأسواق والمكاتب والمزارع.

وفي المقال الذي نشرَته أولاً صحيفة (واشنطن بوست) تحت عنوان "مشاهد الأمل والخوف في العراق بعد سبعة أشهر من مغادرة القوات الأميركية"، يقول الكاتب كيفن سوليفان Kevin Sullivan "إن المشاريع الإسكانية ومراكز التسوّق والمستشفيات ترتفع من تحت الأنقاض فيما تفتح متاجر كانت مغلقة منذ سنوات أبوابها من جديد وتعود المشاهد المألوفة القديمة لمحلات بيع المرطبات وحافلات بغداد الـحُمر المشهورة ذات الطابقين. ولكن كل خطوة إلى الأمام مثقلة باستمرار سفك الدماء والوحشية والفساد"، بحسب تعبيره.

ويضيف أن العنف تراجَع بشكل حاد من ذروته في عاميْ 2006 و2007 ولكن القتل يستمر بالقنابل والبنادق كل يوم، مشيراً إلى تفجيرات 23 تموز التي راح ضحيتها أكثر من 100 شخص فضلاً عن عشرات المصابين في أكثر الأيام دموية في العراق منذ عامين.

ومع أن عائدات النفط ترتفع إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ ما قبل غزو صدام حسين للكويت في عام 1990 فإن الدولة بالكاد تقدّم أساسيات الحياة المتمثلة في المدارس والمياه النظيفة والكهرباء في أيام الصيف التي تبلغ فيها الحرارة اعتيادياً نحو خمسين درجة مئوية.
هذا فيما تتعرض الحكومة لانتقاداتٍ من جهات مختلفة تراوح بين جماعات دولية لحقوق الإنسان إلى سائقي الحافلات في بغداد بأنها "غير فعالة واستبدادية وقمعية على نحو متزايد تجاه خصومها السياسيين."

عميدُ كلية الإعلام في جامعة بغداد الدكتور هاشم حسن عـلّقَ على هذه الفقرة من المقال المنشور في الصحيفتين الغربيتين البارزتين بالقول "هناك أمل كبير بأن تتقدم البلاد إلى أمام للرفاهية والاستقرار، ولكن هذا مصحوب أيضاً بواقع مرير وتوقّع بكل لحظة أن يحدث انفجار وأعمال عنف داخل البلاد. ولعل ذلك سببه أن الأمر ليس محصوراً بالداخل العراقي وإنما هنالك أجندات خارجية قوية ومؤثرة قادرة على أن تحوّل الأمل بلحظة واحدة إلى يأس وكل خطوة إلى أمام تسحبها خطوة أو اثنتين إلى الوراء.....".


وفي مقابلة أجريتُها عبر الهاتف ويمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي المرفق، عقّب الأكاديمي والصحافي العراقي أيضاً على الفقرات التي تضمنها المقال حول مدى تأثير الثقافة الغربية في سلوكيات الجيل الجديد في العراق.


احد عناصر الامن في العاصمة بغداد

احد عناصر الامن في العاصمة بغداد

الصحافي الأميركي كيفن سوليفان يصف العاصمة العراقية بأنها "مدينة الدمار والجنود والأنقاض" ولكنها في الوقت ذاته "تشهد انتعاشاً وحياة اعتيادية في منظر غير طبيعي للغاية" إذ أنها تزخر بمظاهر التطور المتمثلة بمحلات تجارية حديثة أو مراكز تسوّق تجتذب آلاف المتسوقين فضلاً عن وكالات بيع السيارات الجديدة والمكاتب والمنازل الآخذة في الانتشار إلى جانب نادٍ صحي فاخر يقدم لزبائنه أحدث العلاجات العصرية المكلفة للبشرة بالإضافة إلى الحدائق العامة التي توفر الألعاب الحديثة لزائريها من العائلات وأطفالهم وغير ذلك من مظاهر الرفاهية الأخرى ومن بينها الاستخدام المتزايد للهواتف النقالة.

كما يلاحظ أن "نحو عقد من الوجود الأميركي ترك انطباعاً واضحاً على الثقافة المحلية"، مشيراً إلى مشاهداتٍ على أرصفة الشوارع لشباب عراقيين يرتدون أزياء لا تميزهم تقريباً عن نظرائهم الأميركيين بالإضافة إلى انتشار مطاعم الوجبات السريعة التي يزداد عليها الإقبال الشعبي. وينقل الكاتب عن شاب عراقي يدرس هندسة الكومبيوتر تصريحه بأن "العديد من الناس يقولون إن الأميركيين دمّروا بغداد وهم سعداء جداً لخروجهم." ولكن هذا الشاب اعتبر أن مثل هذه التعليقات تنمّ عما وصفها بعقلية ضيّقة، مُـعبّراً عن إعجابه الشديد "بكل ما هو أميركي"، على حد تعبيره.

المقال المنشور في صحيفتيْ (واشنطن بوست) الأميركية و(فايننشيال تايمز) البريطانية يتطرق أيضاً إلى ظاهرة الفساد المستشري ، مشيراً إلى شكاوى عراقيين بأن "الرشوة هي الوسيلة الوحيدة للحصول على عمل أو رخصة بناء أو عقد حكومي". وفي هذا الصدد، يذكر الكاتب أن منظمة (الشفافية الدولية) أدرجَت العراق في المرتبة 175 من أسوأ 183 بلداً في مسحها السنوي للفساد عام 2011.

وفي الفقرة المتعلقة بالاقتصاد، يشير الكاتب إلى توقعات (صندوق النقد الدولي) بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من 9.9 في المائة في عام 2011 إلى 11.1 في المائة هذا العام و 13.5 في المائة العام المقبل ما يجعل العراق أحد البلدان الواعدة الأسرع نمواً حتى من الصين التي بلغت نسبة نموها الاقتصادي 9.2 في المائة خلال العام الماضي.

وفي هذا الصدد، يذكر المقال أن الإنتاج النفطي العراقي البالغ حالياً نحو 3 ملايين برميل يومياً تجني الحكومةُ من عائداتِ صادراتِه سنوياً نحو 100 مليار دولار للميزانية العامة، ومع ذلك "يتساءل الناس العاديون عن أسباب عدم رؤيتهم أي فوائد."

الخبير الاقتصادي العراقي باسم جميل عقّـبَ على هذه الفقرة من المقال بالقول "إن وصفَ المنظمات العالمية المختصة اقتصاد العراق بأنه واعد له ما يبرّره بالنظر لما تمتلكه البلاد من ثروات واحتياطيات هائلة من النفط والغاز والمعادن الأخرى، إضافةً إلى شعب تشّكل القوة العاملة فيه من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين نسبة 60 في المائة...وغير ذلك من المقومات الأخرى التي تبرر الإشارة إلى اقتصاد العراق باعتباره واعداً...".

وفي مقابلة أجريتُها عبر الهاتف ويمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي المرفق، تحدث جميل لإذاعة العراق الحر عن التحديات الراهنة التي تواجه النهوض بالاقتصاد العراقي، ومن أبرزها "نسبة البطالة الكبيرة وتوقّف قطاعات صناعية عن العمل، وعدم قدرة القطاع الزراعي حتى الآن من النهوض في مجال الري والتكنولوجيا الحديثة واستصلاح الأراضي وتشغيل الأيدي العاملة....".

وفي إجابته عن سؤال آخر، لاحظَ الخبير الاقتصادي العراقي أن "الزيادات السنوية في الناتج القومي متأتية من ريع عائدات العراق النفطية وليس من الإنتاج الفعلي لقطاعات الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها." وأعرب عن اعتقاده بأن ما تحتاجه البلاد لتحقيق "طفرة حقيقية" هو توافر "عقلية اقتصادية مخططة قادرة على إعادة تنظيم وهيكلة القطاعات المنتجة كافة بغية الارتقاء بالاقتصاد إلى مرحلة الإنتاج الفعلي الحقيقي."

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي يتضمن مقابلتين مع عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد د. هاشم حسن، والخبير الاقتصادي العراقي باسم جميل.

  • 16x9 Image

    ناظم ياسين

    الاسم الإذاعي للإعلامي نبيل زكي أحمد. خريج الجامعة الأميركية في بيروت ( BA علوم سياسية) وجامعة بنسلفانيا (MA و ABD علاقات دولية). عمل أكاديمياً ومترجماً ومحرراً ومستشاراً إعلامياً، وهو مذيع صحافي في إذاعة أوروبا الحرة منذ 1998.

XS
SM
MD
LG