روابط للدخول

محللون: عودة الإرهاب تعزى لإخفاقات عراقية وعنف سوريا


انقاض بعد تفجير في التاجي في تموز 2012

انقاض بعد تفجير في التاجي في تموز 2012

تُـسَـلّـطُ الأضواءُ مجـدداً على أمن العراق الذي شهد في الأيام الأولى من شهر آب موجةَ هجماتٍ استهدَفت تحديداً أفراد الجيش ورجال الشرطة بالإضافة إلى عناصر قوات الصحوة.
وأفادت وكالة فرانس برس للأنباء في تقريرٍ بثته السبت بمقتل 50 على الأقل من عناصر الأمن وإصابة 39 آخرين في 19 هجوماً منفصلاً منذ 31 من تموز فيما لا تزال بعض المواقع الأمنية في بغداد عرضة للهجوم. ولوحظ أن هذه الهجمات شُنّت على نقاط تفتيش أو دوريات عسكرية رغم أن بعضها استهدَف منشآت أكثر تحصيناً. وفي هذا الصدد، أشار التقرير إلى محاولة مسلحين اختراق سجن في منطقة التاجي شمال بغداد الأربعاء وذلك بعد يوم واحد من الهجوم الذي شُنّ على مديرية مكافحة الإرهاب في وسط العاصمة وذكرت وزارة الداخلية أنه كان يستهدف تهريب سجناء. فيما أعلنت قناة (العراقية) التلفزيونية الرسمية في خبرٍ عاجلٍ السبت أن "القائد
العام للقوات المسلحة يعفي الضباط المقصّرين في حادث الاعتداء الإرهابي على مديرية مكافحة الإرهاب من مناصبهم ويوجّه بسحب أيديهم من مهامهم وإحالتهم على القضاء."

ونُقل عن أحد عناصر الشرطة الذين تحدثوا شريطة عدم ذكر أسمائهم أن القوات الأمنية التي تعرّضت أخيراً لما وصفها بـ"هجمات مركّزة" شهدت "أياماً أصعب في الأعوام 2004 و2005 و2006 التي كان العنف خلالها أكبر والهجمات أكثر بثمانين في المائة." فيما اعتبر شرطي آخر أن "الأوضاع الأمنية الآن أفضل بكثير مما كانت عليه عام 2007 مثلاً"، مضيفاً أن "الإرهابيين يحاولون إحداث ثغرات في قوات الأمن."
الهجمات الأخيرة نُفذت بعد دعوة الجناح المحلي لتنظيم القاعدة والذي يعُرف باسم (دولة العراق الإسلامية) الشهر الماضي "شباب المسلمين" للتوجه إلى العراق بالتزامن مع بدء عودة هذه الجماعة إلى مناطق سبق أن غادَرتها، معلنةً خطةً تستهدف إطلاق سراح معتقلين أُطلِقت عليها تسمية "هدم الأسوار".

المحلل الأمني العراقي علي الحيدري قال في ردّه على سؤال عن أسباب عودة الهجمات المسلّحة رغم البيانات الرسمية التي أعلنت في أوقات سابقة القضاء على الفرع العراقي للقاعدة "إن هذا التنظيم دولي ومدعوم ولذلك ليس من السهل القول إنه انتهى ما لم يتم التأكد بأدلة قاطعة على أنه انتهى. وبالتالي يُلاحظ بأنه بين فترة وأخرى يقوم بمجموعة فعاليات تتضمن هجمات انتحارية واغتيالات وعمليات اقتحام، وهي كلها فعاليات تريد من خلالها إثبات وجودها...."، بحسب تعبيره.
وفي مقابلةٍ أجريتها عبر الهاتف ويمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي المرفق، لاحظَ الحيدري أن أحد أسباب استئناف الهجمات المسلّحة بشكل مكثّف يُعزى إلى إخفاقـاتٍ في تحقيق التقدم الملموس اللازم على الأرض لردع الإرهاب وخاصةً من خلال تحسين القدرات الإستخبارية لقوات الأمن العراقية. كما أشار إلى أهمية تنفيذ حملات دهم وتفتيش في أطراف بغداد ومحافظات أخرى بالإضافة إلى المناطق التي يُشتبه بوجود أوكار إرهابية فيها.

صحيفةٌ أميركية بارزة سلّطت الأضواء على الجناح العراقي لتنظيم القاعدة في مقالٍ نَشَرته (وول ستريت جورنال)
Wall Street Journal
تحت عنوان "دولة العراق الإسلامية"، واستهلّه الكاتب روبن سيمكوكس Robin Simcox بالقول
"تخيّل أن جناحاًً لتنظيم القاعدة ظهرَ في دولةٍ مزّقتها الحرب وذات حكومة هشة. تخيّل أن هذا الجناح شنّ هجمات منسّقة ومتطورة على فترات تراوح بين أربعة وستة أسابيع ما يسفر عن مقتل العشرات وأحياناً المئات وذلك على نحوٍ يجعل سواه من فروع القاعدة في كل من اليمن والصومال يبدو أقل قدرة من الناحية العملياتية. وتخيّل أن لدى هذا الجناح ما بين 800 إلى 1000 عضو في شبكته بمن فيهم المقاتلون والمموّلون والإعلاميون. وسُيوصف هذا الجناح بأنه (جبهة جديدة) في الحرب على الإرهاب تُشكّل تهديداً كارثياً جديداً محتملاً للغرب لا يمكن لحكوماتٍ في جميع أنحاء العالم أن تحلم أبداً بتجاهله." ويضيف الكاتب "أن مثل هذا الجناح يوجَـدُ اليوم في الواقع وهو يعُرف باسم (دولة العراق الإسلامية) التي أُنشأت في تشرين الأول 2006 من بقايا تنظيم القاعدة في العراق. وفي الأسبوع الماضي، هدّد زعيم هذه الجماعة الولايات المتحدة بشنّ هجمات على أراضيها قائلاً (إن حربنا معكم قد بدأت للتو). وبعد ساعات من ذلك، قتلت الجماعة أكثر من 100 شخص في 40 هجوماً منسّقاً بالقنابل في العراق. ومع ذلك، لا يبدو أن أي حكومة في الغرب أبدَت قلقاً يُذكر. وبإمكان هذا الموقف أن يعود لملاحقتنا"، بحسب تعبيره.

واعتبَرت (وول ستريت جورنال) أن الحكومة الأميركية لا تريد التعامل مع هذه الجماعة باعتبارها "مشكلة" وذلك، لأنه على خلاف فروع القاعدة الأخرى في اليمن وشرق إفريقيا، ليس بوسعها أن تفعل الكثير حيالَها في غيابِ إمكانية استخدام سلاح الطائرات المسيّرة الفعاّل ضد المسلحين في العراق. وترى الصحيفة أن مثل هذا الأمر سيكون بالنسبة لواشنطن "ليس بمثابة اعترافٍ بالإخفاق الإستراتيجي الكامل فحسب بل أنه سوف يُضعف النموذج المشابه للديمقراطية الذي ساعدت هي في إقامته هناك. كما أن بغداد قد تعترض بشدة على انتهاك سيادتها." ويخلص الكاتب إلى القول إنه "بالرغم من ثماني سنوات من التضحيات البشرية والمادية التي تكبدتها الولايات المتحدة فإن رأس المال السياسي الأميركي في بغداد منخفض على نحو مزعج"، بحسب تعبيره.

الصحيفةُ الأميركية البارزة أثارَت من خلال هذا المقال مقارنـةً بين عدم فاعلية الوسائل المحلية في مجابهة القاعدة مع النجاح الباهر الذي حققته الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة في دولٍ مثل باكستان واليمن عبر استخدام سلاح الطائرات بدون طيار الذي أثبتَ فاعليته في استهداف قيادات القاعدة في هذه الدول. وكان (ملف العراق الإخباري) لإذاعة العراق الحر تناول (في 12 شباط 2012)
تفاصيل استخدام الإدارة الأميركية لهذه الطائرات المسيّرة على نطاقٍ واسع ضد إرهابيي القاعدة وجماعاتٍ مسلّحة على طول الحدود الأفغانية الباكستانية. ووفقاً لإحصاءات غير رسمية، تم الإبلاغ عن 45 ضربة يُشتبَه أن هذا السلاح المتطور نفّذها في الحزام القبلي في باكستان خلال عام 2009، و101 ضربة في عام 2010، بالإضافة إلى 64 هجوماً في عام 2011. فيما دافعَ الرئيس باراك أوباما عن استخدام الطائرات المسيّرة بوصفها "المفتاح الرئيسي لحرب بلاده ضد تنظيم القاعدة" وملاحقة "المتطرفين". كما أشار إلى "استخدامها بشكلٍ محدودٍ للغاية في العراق" بشكل أساسي في سياق حماية السفارة الأميركية في بغداد.

الحكومةُ العراقية التي وقّعت عقوداً لشراء مقاتلات أميركية متطورة من طراز أف-16 أبدَت رغبتَها أيضاً في اقتناء طائرات مسيّرة.
وفي حديثه عن النجاح العسكري الأميركي في استخدام هذا السلاح ضد التنظيمات الإرهابية، قال الباحث في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عماد رزق لإذاعة العراق الحر "إن المعلومات التي ترد عن استخدامات هذا النوع من الطائرات الموجّهة دون طيار تندرج في إطار أهداف إستراتيجية الولايات المتحدة لخفض عديد جيوشها في العالم على نحوٍ ينعكس إيجاباً على الميزانية ويؤدي إلى مزيد من الحركة والسرعة في التدخل ليس لمحاربة جيوش كلاسيكية وإنما لمكافحة متمردين وإرهابيين."
وأوضح رزق في مقابلة يمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي المرفق المزايا المتعددة لاستخدام هذا السلاح، ومن بينها "سهولة التحرك وإمكانية التوجيه خلال ساعات لاستهداف منظمات الإرهاب وجماعات الجريمة المنظّمة أو حتى في عمليات رصد...".

هـجماتُ الأيام الأولى من آب في العراق كانت أيضاً محور تحليل بـثّتهُ وكالة رويترز للأنباء بعنوان "أزمة سوريا تغذي العنف في العراق وتعيد الحياة للقاعدة"، وقال فيه الكاتب باتريك ماركي Patrick Markey إن الهجوم الأخير الذي استهدف مديرية مكافحة الإرهاب في بغداد "هو الأحدث الذي تشنّه جماعة دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة تنفيذاً لتهديدها باستعادة ما خسرته في قتالها ضد القوات الأميركية بل إن قائدها هدّد بشن هجمات في الولايات المتحدة." واعتبر الكاتب أنه رغم إخفاق المسلّحين في إطلاق سراح سجناء إلا أن الرسالة التي حملها الهجوم كانت واضحة ومفادها أن هذا التنظيم عاد لتنفيذ عملياته الإرهابية. ومع تسلل مسلّحين إلى سوريا المجاورة ذكر خبراء في الشؤون الأمنية أن القاعدة "تجمع أموالاً وتضمّ مقاتلين جدداً بل وترتفع معنوياتها على جانبيْ الحدود لتستعيد حيويتها بعدما ما تكبدته من خسائر على أيدي القوات الأميركية وحلفائها العراقيين طوال سنوات."

ونقل التحليل عن رمزي مارديني من (معهد دراسات الحرب) في واشنطن قوله إن "الأزمة السورية تتيح مجالا يجتذب منه جناح القاعدة المهيمن في العراق مسلحين وموارد لخدمة قضيته." فيما ذكر سيث جونز خبير مكافحة الإرهاب في مؤسسة (راند) في واشنطن ومؤلف كتب عن القاعدة أن "الشرعية الدينية للحرب السورية وزيادة التمويل والمقاتلين يفيد دون شك القاعدة في العراق."
وأضافت رويترز أنه مع رحيل القوات الأميركية "زالـَت معها قدرة مخابراتها على جمع المعلومات ما يمنح المسلحين حيّزاً أكبر للعمل في معاقلهم السابقة مثل محافظة الأنبار ومناطق تشهد اقتتالاً سياسياً تنشغل به القوات المسلحة." فيما يقرّ مسؤولون عراقيون بأن القاعدة "تسللت من جديد لمعاقل قديمة ساعدها في ذلك عدم تحرك الحكومة بسبب الفساد والاقتتال السياسي."

وختَم التحليل بالإشارة إلى ما ذكَرهُ الخبير في مكافحة الإرهاب دانييل بايمان من معهد (بروكنغز) في واشنطن بأن الناس كانوا يقولون في عام 2009 إن القاعدة انتهت، مضيفاً أنه "حتى وإن أخفقَتْ في استعادةِ أراضٍ فإن حقيقة قدرتها على منازعة هذا القول بصورة مقنعة أكبر دليل على نجاحها"، بحسب تعبيره.
وفي تحليله لأسباب ما يراه خبراء غربيون "عودة" مكثّفة للعمليات المسلّحة على الساحة العراقية رغم التضحيات التي بذلتها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للقضاء على الإرهاب، قال المحامي حسن شعبان الناشط في حقوق الإنسان لإذاعة العراق الحر "صحيح أن المجتمع الدولي إلى حدٍ ما أنفق وقدّم ضحايا في مسألة القضاء على الإرهاب إلا أنه وخاصةً الولايات المتحدة نظرت إلى محاربة الإرهاب من زاوية شكلية وعسكرية فيما المسألة تحتاج إلى القضاء على مقوّمات الإرهاب ومسبّباته." وفي المقابلة التي يمكن الاستماع إليها في الملف الصوتي المرفق، أعرب شعبان عن اعتقاده بأن "المجتمع العراقي يعاني من أزمة بطالة وغيرها من المشكلات بالإضافة إلى معاناته من خلاف حاد في المواقف السياسية، وهي كلها من الأمور التي لم يأخذها المجتمع الدولي في عين الاعتبار رغم ما أنفقه من مبالغ. كما أنه لم يشجّع قيام مجتمع يقوم على أساس العلمانية والمواطَنة والهوية بل شجّع الطائفية والمحاصصة الطائفية....ولذلك فإن ما يحتاجه العراق في مكافحة الإرهاب واستئصال مقوماته هو وقفة مجتمعية أكثر من كونها وقفة عسكرية وأمنية"، بحسب رأيه.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي يتضمن مقابلات مع الباحث في الشؤون الإستراتيجية د. عماد رزق، والناشط في حقوق الإنسان المحامي حسن شعبان، ومحلل الشؤون الأمنية علي الحيدري.

  • 16x9 Image

    ناظم ياسين

    الاسم الإذاعي للإعلامي نبيل زكي أحمد. خريج الجامعة الأميركية في بيروت ( BA علوم سياسية) وجامعة بنسلفانيا (MA و ABD علاقات دولية). عمل أكاديمياً ومترجماً ومحرراً ومستشاراً إعلامياً، وهو مذيع صحافي في إذاعة أوروبا الحرة منذ 1998.

XS
SM
MD
LG