روابط للدخول

الرصافي في ذكراه: من أين يُرجى للعراق تقدمُ وسبيلُ ممتلكيه غير سبيلهِ!


لوحة للفنان العراقي المغترب عماد زبير

لوحة للفنان العراقي المغترب عماد زبير

ما زال الشاعر الرصافي، يثير حتى بعد رحيله منذ ست وستين سنة، الكثير من الجدل حول طريقة معيشته، وتنوع معارفه، وسلاسة شعره، وجرأة ما طرحه. ويقول عارفوه انه لم يكن شاعرا كبيرا وحسب بل ايضا مثقفا مهما، ولغويا متبحرا، وكاتبا وسياسيا عنيدا، ومن كبار المنادين بالاصلاح الاجتماعي، والتمسك بالعلم. عرف بدفاعه عن الضعفاء والفقراء ومناكدة السلاطين والوزراء.

يقول الباحث عبد الحميد الرشودي مؤلف كتاب "رسائل الرصافي" إن الفقرَ لازمَ شاعرنا طوال حياته. على الرغم من فرص الغنى والثروة، التي كان يمكنه جنيها لو اراد من خلال استثماره لعلاقاته مع السياسيين وذوي الشأن، لكن ليس من الصعب اكتشاف اشارات ودلالات كثيرة في قصائده تكشف انحيازه للفقراء والمعدمين، وتشدده في الدفاع عن المراة، والانحياز الى وطنيته وجرأته في طرح الأفكار والمواقف على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والدينية، حتى رماه البعض بالإلحاد، وهنا يستحضر الرشودي قصيدة الرصافي التي يصف فيها منتقديه بالجهالة:

أيا بغداد لا جازتك سحبُ ولا حلّت بساحتك الجدوبُ
تطاول ساكنوك على َّظلماً فضاق على َّ مغناك الرحيبُ
وكم نطقوا بالسنة حدادٍ يسيل بها من الأشداق حُوب
رماني القوم بالإلحاد جهلاً وقالوا عنده شــكٌ مريب
ألا يا قوم سوف يجد جدي وسوف يخيب منكم من يخيب
فمن ذا منكم قد شق قلبي وهل كُشفت لكم فيَّ الغيوب
فعند الله لي معكم وقوف إذا بلغت حَناجرَها القلوب
يقيني شرّ فريتكم يقيني بأن الله مطلعٌ... رقيب

ترك الرصافي تسعة عشر كتابا في الشعر واللغة والتاريخ، حصد بعضها شهرة واسعة. ويؤكد الباحث الرشودي أن من يدرس أعمال الرصافي يكتشف أنها تنطوي على دراسات معمقة في التاريخ والمجتمع العراقي، ولا تخلو من انتقاد وسخرية لآراء اعتبرها الشاعر متخلفة.

درس الصبي معروف عبد الغني الرصافي على يد العلامة محمود شكري الآلوسي الذي لاحظ ألمعية تلميذه، الذي بدا يكتب الشعر مبكرا، وبرع فيه وذاعت شهرته مع نشر قصائده في بعض الصحف الأدبية العراقية والعربية آنذاك: المقتبس، والمؤيد، والمقتطف، فجذب الأنظار في العالم العربي.

نشر الرصافي أول ديوان له في بيروت عام 1910 وانتقل الى اسطنبول لتولي رئاسة تحرير صحيفة 'سبيل الرشاد' التي ضمت العراقيين جميل الزهاوي، وفهمي المدرس، كما عمل في مجال تدريس اللغة العربية ونشرت محاضراته هناك، واستمر بروزه حتى رشح لمجلس المبعوثان (البرلمان) عام 1912 الى جانب جميل الزهاوي، وفهمي المدرس، وعبد المحسن السعدون، والشاب القادم من الحجاز الامير فيصل بن الحسين.

ويرصد الباحث عبد الحميد الرشودي تشدد الرصافي في قصائده الوطنية، اذ ترك لنا العديد منها في انتقاد الانكليز بعد احتلالهم العراق في العقد الثاني من القرن الماضي، والسلطات العراقية التي كان يعتبرها سائرة في ركب الانكليز، حتى لو تحققت بعض مظاهر نظام الدولة الدمقراطية، فهاهو يقول:

علمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ كلٌ عن المعنى الصحيح محرفُ
أسماء ليس لنا سوى ألفاظها أما معانيها فليست تعرفُ
من يقرأ الدستورَ يعلم أنه وفقا لصك الانتداب مصنفُ

شارك الرصافي في قضايا مختلفة تهم شعبه وأهله، وعرف بتشجيعه على العلم والتعلم، ودعا إلى بناء المدارس اذ يقول:

ابنوا المدارس واستقصوا بها الأملا حتى نطاول في بنيانها زحلا
جودوا عليها بما درت مكاسبكم وقابلوا باحتقار كل مـن بخلا
لا تجعلوا العلم فيها كل غايتكم بل علموا النش‏ء علما ينتج العملا
ربوا البنين مع التعليم تربية يمسي بهـا ناطق الدنيا به المثلا

ويؤكد الباحث عبد الحميد الرشودي الذي عرف بدراسته للشاعر الرصافي وتحليل أعماله ورسائله منذ عدة عقود، أن الرصافي حرص طوال حياته على ان يكون بعيدا على الانتفاع من اهل السلطة والجتاه، لذا فقد عاش سنواته الأخيرة فقيرا ، ورغم انه كثيرا ما انتقد الساة وهجاهم، الا انه لم يتعرض لسجن ٍ أو عقوبة، في وقت تعرض اقرانه لها بسبب المهابة التي تركها لدى السياسيين والمسؤوليين حينذاك. ويختار الباحث الرشودي قصيدة للرصافي تنم عن سخرية وانتقاد لاذع للمسؤولين اذ يقول :

من أين يُرجى للعراق تقدمُ وسبيل ممتلكيه غير سبيلهِ
لا خيرَ في وطنٍ يكون السيف عند جبانه، والمال عند بخيلهِ
والرأي عند طريدِه، والعلمُ عند غريبه، والحكمُ عند دخيلهِ

وقال منتقدا التضييق الذي تعرض له بعض الكتاب والصحفيين من خلال غلق بعض الصحف او اعتقال البعض عند انتقاده المستعمر الانكليزي او السلطات الحكومية :

ياقوم لا تتكلموا ... إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا ...ما فاز الا النــّوم
وتأخروا عن كل ما .... يقضي بان تتقدمـوا
ودعوا التفهمَ جانبا ... فالخيرُ أن لا تفهموا
وتثبتوا في جهلكم .... فالشر.. أن تتعلموا
اما السياسة فاتركوا .... أبدا وإلا تندموا
إن السياسةَ سرُها ... لو تعلمون.. مطلسم

وقد هاجم الرصافي التقاليد العشائرية، معتبرا اياها رمزا للتخلف، وانتقد قانون العشائر الذي كان معمولا به آنذاك، اضافة الى الخرافات الشعبية الكثيرة، فقد كان من أنصار التفسير العلمي للحياة.

ولد معروف الرصافي في محلة القراغول ببغداد عام 1875 وتوفي في منطقة الاعظمية في السادس عشر من آذار عام 1945.

XS
SM
MD
LG