روابط للدخول

الربيع العربي وآفاق "الصحوة التالية" في آسيا الوسطى


جون أوسليفان، مدير التحرير التنفيذي في إذاعة أوروبا الحرة/إذاعة الحرية

جون أوسليفان، مدير التحرير التنفيذي في إذاعة أوروبا الحرة/إذاعة الحرية

منذ عشرين عاما كنت أستمتع بحفلة (كوكتيل) بريئة في مدينة جدة السعودية كضيف لدى مجموعة (عكاظ) الصحافية، حين تعرضت إلى حادث اعتداء مفاجئ.
الاعتداء كان بالطبع مجازيا، فالكوكتيلات المقدمة لم تكن كحولية. إلا أن أحد المضيفين الطيبين صعد على المنصة ليعلن: "السيد أوسليفان سيحدثنا الآن عن موضوع (ما هي حصة العرب من البريسترويكا؟). وكان من المناسب جدا أن يعلن ذلك الخبر المفاجئ في حفلة إعلامية".
أشار مضيفي إلى المنصة، فهمست في أذنه وأنا أقترب منها: "كم من الوقت تريد مني أن أتحدث؟ فأجابني قائلا: "ليس كثيرا. مجرد أربعين أو خمسين دقيقة".

يوجد في مكان ما شريط فيديو لتلك الدقائق الأربعين أو الخمسين، سيصيبني ظهوره في يوم من الأيام بكثير من الحرج. يكفيني القول إني ألقيت الكلمة وأجبت على الأسئلة دون أن أتظاهر بالإغماء – ذلك الأسلوب الذي يلجأ إليه بعض المصابين بالحرج الشديد، بل تناولت الموضوع بقدر مقبول من الجدية، ولكني لم أجب في الحقيقة على السؤال.

يعود ذلك جزئيا إلى أنني لست أدري ما كانت حصة العرب من البريسترويكا. أما السبب الآخر فهو أن المضيفين لم تكن لديهم غير فكرة مبهمة ومشوهة عما كانوا يعنون. كانت قد ألهمتهم الثورات المخملية في وسط أوروبا وشرقها، وبالبريسترويكا التي كان قد أدخلها غورباتشوف والتي كانت تتحول آنذاك إلى انهيار الشيوعية السوفيتية. إلا انهم لم يقدموا على النقلة المنطقية القائلة إن الأنظمة العربية عليها أن تتيح قدرا أكبر من الحريات والديمقراطية لشعوبها.

لم يثر أي شيء من هذا القبيل، بل كانت أغلبيتهم تحاجج بأن فقدان الاتحاد السوفيتي لوضعه كقوة عظمى، جعل الولايات المتحدة لا تحتاج إسرائيل كحليف إستراتيجي في الشرق الأوسط. لذلك سيكون في وسع أميركا أن تضعف روابطها بإسرائيل وأن تتبنى توجها أكثر ودية إزاء تطلعات الفلسطينيين الوطنية. ويبدو أن تلك كانت حصة العرب من البريسترويكا في تلك الأمسية، الأمر الذي أثار نقاشا ساخنا خارجا عن صلب الموضوع.

وهكذا فإنني لم أجب على السؤال بشكل صحيح. ولكن هذه السنة شهدت التاريخ وهو يجيب نيابة عني: لقد تبين أن حصة العرب من البريسترويكا تتطلب تمتع العرب بذات المقدار من الحرية والديمقراطية التي كانت قد فازت به الشعوب التشيكية والروسية والكازاخية في 1989 و1991.
وقد برهن الآن المصريون والتونسيون والسوريون والليبيون بأنهم يثمنون الحرية وبأنهم على استعداد لتقديم التضحيات المروعة من أجل أنفسهم ومن أجل مواطنيهم. هذا لا يعني بالضرورة أن الديمقراطية الليبرالية يمكنها الازدهار في الشرق الأوسط، إلا أنه يحسم التساؤل حول تطلع المجتمعات العربية إليها، فهم يريدونها بالفعل، بل إنهم على استعداد للموت من أجلها.

غير ان السنوات العشرين الماضية شهدت المجتمع الدولي وهو يتبنى ذلك الموقف الغريب الذي أظهره الحضور في حفلة (عكاظ). فمن كان يريد إظهار تأييده للتطلعات العربية كان يركز بشكل شبه كامل على النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. أما الفكرة القائلة إن الشعوب العربية ربما ترغب على نطاق أوسع في التمتع بالحريات اليومية المألوفة لدى الغربيين، فلم تنل غير القليل من الاهتمام.

ولكن، وكما نعلم الآن، كانت تطلعات 1989 و 1991 (ورغم عدم التطابق الشامل لبعض الأفكار السياسية) تتولد بهدوء في أذهان الشباب في كل من القاهرة وتونس ودمشق وطرابلس. وكان المتعلمون أو من كان منهم يشغل مناصب مسئولة في مجالات عملهم يغتاظون إزاء معاملتهم كأبناء لا حول لهم ولا قوة للدكتاتور في الساحات العامة. ثم جاءت التقنيات الإعلامية الحديثة لتقوض السيطرة الاحتكارية على المعلومات التي كانت تنعم بها الدولة، فأصبح لكل من لديه حاسوب صغير أن يقرأ الصحف الصادرة في لندن وسدني وفي كل ما بينهما.

كانت الأفكار يتم تداولها بقدر أكبر من الحرية، وكانت بعض هذه الأفكار – مثل الإسلام المتطرف – تتبنى في أفضل أنماطها موقف عدم المبالاة تجاه الحرية والديمقراطية. وشأنه شأن جميع الأيديولوجيات، كان الفكر الإسلامي يولد مقاومة فكرية بالإضافة إلى التأييد، وكثيرا ما كان ذلك يتخذ شكل الأفكار اللبرالية. وكان هذا السوق الخفي المزدحم بالمفاهيم السياسية المختلفة متحدا في أحد هذه التوجهات: أي المعارضة للدكتاتورية. ما كان الشباب العرب سيعبرون عن الأمر بهذا التعبير، ولكنهم أصبحوا بعد مضي عشرين عاما يريدون حصتهم من البريسترويكا، ولقد تحقق ذلك في هيئة (الصحوة العربية).

هل يتطلع الشباب في آسيا الوسطى وفي أذربيجان وفي دول تسلطية أخرى في الحقبة التالية للسوفيتية، إلى نيل حصتهم من الصحوة العربية اليوم؟ المختصون والخبراء الإقليميون كثيرا ما يستخفون بمثل هذا التساؤل باعتباره ساذجا أو سابقا لأوانه فهم يشيرون إلى عدم وجود حركات معارضة ذات شأن في مثل تلك المجتمعات، وإلى أن تلك الحكومات تفرض سيطرة صارمة على الدين، وإلى أن روسيا والصين – باعتبارهما القوتين المهيمنتين في المنطقة – ستحولان دون ظهور نظام سياسي ديمقراطي ناجح. وهم بشكل شبه مؤكد على صواب في ذلك.

غير أن المختصين والخبراء كانوا كذلك يستبعدون حدوث انتفاضات في العالم العربي – إلى حين حدوثها. وحين حدثت بالفعل، فلقد تم ذلك في دول عربية كان يعتبرها الخبراء في منأى عن مثل هذه الاضطرابات. ما هو عدد الخبراء الذين توقعوا اندلاع ثورة في تونس – ذلك البلد المستقر وشبه التقدمي؟ وكم منهم كانوا يعتقدون بأن السوريين العاديين سيضحون بكل قناعة بحياتهم من أجل الحرية، يوما بعد يوم؟

الخبراء يتفهمون ويعرفون الوضع القائم، إذ يمكنهم وصف مؤسسات السلطة والقوة، وأصولها القبلية، وأساليب سيطرتها، وقدرتها على تجنيد أو إجهاض المعارضة، وذلك بالتفصيل الدقيق. ثم تنشأ لديهم القناعة بأن هذه المؤسسات لا يمكن التعرض إليها. وهم على حق في ذلك، إلى حين – وبشكل مفاجئ وغير متوقع – ظهورهم مخطئين. وكما دأب الكاتب الكندي (مارك ستاين) على تذكيرنا، فإن تاريخ القرنين الماضيين يعتبر رواية تفتت وانهيار قوى كبيرة وقوية وراسخة الجذور في غمضة عين، من حكم القياصرة الفردي وحتى الإمبراطورية السوفيتية.

هناك ما يفسر الإرباك الذي يصيب الخبراء نتيجة الثورات وسقوط الإمبراطوريات كل نحو عقدين من الزمن، فالمتغير الوحيد الذي لا يمكنهم قياسه هو التغيير الحاصل في أذهان رعايا السلطة، فهو يحدث تحت مستوى أنظار الخبراء، ببطء وبشكل يكاد يكون خفيا. فالعلامات المنذرة بذلك كثيرا ما تخفيها – يا لسخريات القدر السعيدة! – الأجهزة القمعية للدكتاتور. أما حقيقة حدوث الأمر فلا تتضح إلا في لحظة نهوض أحد الرعية، ومقاومته العلنية كمواطن للسلطة القمعية، وانضمام آلاف المواطنين الآخرين إليه فيما يثير دهشة الجميع. الشرارة التي تشعل النار ربما تكون حدثا مألوفا بسيطا – مثل قيام الشرطة بضرب أحد المشتبه بهم – ولكنها تغير كل شيء.

بعد انتهائي من ذلك، دعوني أعود إلى تساؤلي: هل يتطلع الشباب في أسيا الوسطى والقوقاز وروسيا البيضاء وغيرها من دول التسلط المنبثقة عن العهد السوفيتي، إلى نيل حصتهم من الصحوة العربية؟ هل يجدون فيها دروسا لهم؟ هل يعتقدون أن شيئا مماثلا ممكن في مجتمعاتهم وفي حياتهم؟ هل يشعرون بأنهم وأصدقاءهم ما زالوا في قبضة القبول اليائس بأنهم تحكمهم سلطة لا تخضع للمساءلة؟ أم أنهم يشعرون بأنهم سيتغلبون على ذلك القبول اليائس ويفوزون بالحرية التي نالها الليبيون هذا الأسبوع، وما زال السوريون يقاتلون من أجلها؟

أما الخبراء الوحيدون في مثل هذه الشئون فهم أنتم أيها القراء. فما هو رأيكم؟

يشغل (جون أوسليفان) منصب المحرر التنفيذي بإذاعة أوروبا الحرة / إذاعة الحرية. أما الآراء التي عرضها في هذا التعليق فتعود إليه وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء الإذاعة.
XS
SM
MD
LG