روابط للدخول

بلد لا يجمع شواهد على تاريخه...لا يحترم حضارته


سعيد الكميت في متحفه بتكريت

سعيد الكميت في متحفه بتكريت

في حلقة هذا الأسبوع من "عين ثالثة" نزور مدينتي النجف وتكريت. ففي الاخيرة سنلقي نظرة على مبنى صغير هو أشبه ما يكون بمتحف يضم عُددا وآلات وأدوات وحتى صورا قديمة. يقول صاحبها إنه مغرم بجمع كل شئ تراثي.
أما في النجف فستقع عيننا على شاب فقد القدرة على الرؤية غير انه يعيش حياته بطريقة طبيعية، ويبيع المرطبات متنقلا على قدميه من حي إلى حي.

*** **** ****

متحف سعيد الكميت في تكريت


في مدينة تكريت تعرفنا على رجل يدعى سعيد الكميت. هذا الرجل يجمع تراث أهله وعشيرته ومنطقته وبلده في حجرة واسعة بعض الشئ، وضع فيها عُددا وقطعا أثرية وأدوات ماعاد يستخدمها احد، وحتى ملابس ومخطوطات قديمة.

يقول سعيد الكميت: إن بلدا لا يجمع شواهد على تاريخه، حتى لو كانت بسيطة، هو بلد لا يحترم حضارته. عبد الله احمد من تكريت يروي لنا قصة الكميت.
من مقتنيات سعيد الكميت


((ليس من الغريب أن تجد متحفا حكوميا يحتوي على آثار البلد، ويحكي تاريخه، وماضيه، لكن الغريب اليوم أن تجد شخصاً عكف منذ نعومة اظفاره على جمع تراث بلده، من وثائق وصور وادوات منزلية وزراعية وحربية قديمة، لتكون شاهداً على العصر.

هذا الشخص هو سعيد الكميت ابن السبعين عاماً القاطن في مدينة تكريت. وقد شيد بجوار منزله صالة كبيرة وضع فيها عشرات القطع التراثية النادرة، التي تحكي تاريخ العراق، وتاريخ مدينة تكريت، وتاريخ ملوك العراق، ورموزه العشائرية، فضلا عن وثائق مهمة ونادرة شاهدناها في جولتنا في هذا المكان.
من مقتنيات سعيد الكميت


علق الكميت على سبب اهتمامه بجمع هذه الاشياء التراثية النادرة قائلا: انها تجلب له الراحة النفسية، وتشعره بالسعادة وبالارتياح لأنها تذكره بتاريخ آبائه واجداده، وتاريخ مدينته والعراق. واضاف أن بلدا بلا تراث هو بلد بلا ماضي. وان الاعتزاز بالماضي يأتي من خلال هذه الموجودات التي تعبر عن حاضر البلد وعراقته.

تحوي الصالة بنادق قديمة، وأوان منزلية، وأدوات زراعية يعود تاريخ بعضها الى مئات السنين.

لفت انتباهنا ايضا وجود اوان وعدد كانت تستخدم في المضايف والدواوين، وفي الصيد ايضا، اضافة الى صحون كبيرة او المسماة بالصواني باللهجة العراقية، التي تحكي تاريخ العشائر العراقية، ومنها عشائر تكريت، حيث كانت تستخدم في تقديم الطعام للضيوف، فضلا عن وجود بعض القطع الاثرية النادرة، التي تعود الى ماض سحيق كقارورة العطر، وكرسي الحلاقة، ووثائق معاهدات لشيوخ عشائر في تكريت، مؤيدة للحكم الملكي في العراق.
من مقتنيات سعيد الكميت


الكميت قال إن لديه وثيقة تدلل على مساعدة شيوخ تكريت لأهالي الدجيل حين اصابها الفيضان في عام 1861، وعن سؤالنا له عن كيفية جمع هذه القطع وكم استغرق من الوقت قال: انه يجمع هذه العدد منذ عشرين عاما، وإنه اشترى قسما منها في ما قدم له بعض الاشخاص بعض هذه الموجودات بعد أن كتب عليها بقطعة ورقية صغيرة اسماء مودعيها، كي تبقى ذكرى خالدة.

سعيد الكميت قال إن عشيرته معروفة في المنطقة وإن ابوابهم مفتوحة للضيوف لانهم اصحاب ديوان، ودعا كل من يهمه التراث الى زيارة منزله لكي يطلع على بعض من آثار العراق وتراثه، وتاريخ الاجداد ومقارنته بالعصر الحالي.))

*** *** ***

أحلام محمد تختلف عن احلام اقرانه


والآن الى النجف النجف، لنصافح رجلا فقد نعمة البصر، لنتابعه بعيننا الثالثة وهو يتجول في أزقة إحياء المدينة ليبيع المرطبات للأطفال.

أصيب هذا الرجل بحادث وهو صغير فقد على أثره القدرة على الرؤية، غير أن ضجره من البقاء حبيس منزله جعله ينزل الى الشارع ليمارس مهنة بسيطة لكنها تشعره بالمتعة رغم ذلك. أيسر الياسري من النجف يروي قصة محمد:
الضرير محمد


((محمد شاب من أهالي النجف يبلغ من العمر تسعة وثلاثين عاما فقد بصره منذ طفولته، إلاّ ان فقدانه احدى اهم الحواس لم يمنعه من كسب عيشه بعد ان اصبح شابا. فهو بائع جوال للمرطبات يقوم ببيعها للاطفال في ازقة الحي الذي يسكن فيه، وينتقل احيانا الى احياء اخرى.

يقول محمد ان استمراره في المكوث داخل المنزل بسبب عوقه هو ما دفعه الى القيام بهذا العمل، فضلا عن حاجته الى تحمل مسؤولية نفسه وعائلته، ما دفعه الى كسب قوته من هذه المهنة المتواضعة.

لا يتقن محمد البصير عمله فقط، بل ويستطيع الوصول الى اماكن بيع المرطبات الرئيسية كما يتصف بملكة تحسس النقود عندما يبيع المرطبات للاطفال إذ قال: "استطيع ان اعرف أي فئة نقدية يعطيني الزبون عن طريق تحسسي لها باصابعي عندها استطيع معرفة كم اعطاني".

واجه محمد ظروفا صعبة في حياته خصوصا في فترة طفولته عندما اصيب بالعمى بعد تعرضه الى حادث دهس، إلاّ ان ظروف العائلة المعاشية والاجتماعية اعاقت معالجته بالوقت المناسب.
محمد يتوسط والديه


ويسرد والد محمد قصة فقدان ابنه لبصره بالقول "في منتصف الثمانينات من القرن الماضي كنت احد منتسبي الجيش العراقي السابق، وعندما تعرض محمد لاصابة في احدى عينيه كانت والدته هي المسؤولة عنه، واصطحبته الى المستشفى في المدينة وبقيت عينه تنزف ولم يتم معالجتها، ثم عدت في اجازة واصطحبته الى مستشفى متخصص في العاصمة بغداد، وبعدها عرضته على احد الاطباء المتخصصين وقام بعلاجه وعاد اليه بصره، إلاّ ان اهماله وعدم التزامه بوصايا الطبيب هو ما افقده بصره من جديد"

ولعل والدة محمد هي من تحملت العبء اكثر من غيرها في المنزل بسبب غياب والده المستمر واهتمامها به هو واخواته. وتقول ان عوق محمد اثقل كاهلها كثيرا إذ لا تملك النقود الكافية لعلاجه، كما انها لا تستطيع تحمل المسؤولية وحدها.

ولمحمد احلام كما لغيره من الشباب الا ان احلامه قد تختلف عن غيره بسبب غياب بصره، فهو يتمنى لو يعود له بصره من جديد، ويطالب الحكومة واهل الخير بتحقيق حلمه الازلي.))

بلد لا يجمع شواهد على تاريخه...لا يحترم حضارته
XS
SM
MD
LG