روابط للدخول

تقع عيننا الثالثة اليوم على موقعين وشخصين، احدهما في السماوة والثاني في دهوك.
ففي السماوة سنتعرف على فنان حول واجهة بيته إلى لوحة جدارية. أما في دهوك فسنتعرف على كفيف تفوق في الدراسة، وألف كتبا، وتعلم عدة لغات، ويعزف على عدة آلات موسيقية.

فنان يحول واجهة بيته إلى لوحة

سامي مشاري فنان افتقد الألوان في البيئة التي يعيش فيها في السماوة فحاول إعطاء الجدران المحيطة به بعض الألوان. يعتقد مشاري أن للفنان دورا مهما في المجتمع وقد انتقد صمت الجميع أمام ضيق أبواب الحرية الحقيقية.
قصة الفنان سامي مشاري يرويها هادي ماهود من السماوة:

((ولد الفنان التشكيلي سامي مشاري في السماوة في العام 1952 وكان من أوائل طلاب السماوة الدارسين في معهد الفنون الجميلة حيث دخل المعهد في عام 70.

تتلمذ مشاري على يد أساتذة كانوا من أعمدة الفن التشكيلي العراقي من أمثال شاكر حسن آل سعيد ومحمد مهر الدين وسعد الطائي ومحمد علي شاكر.

ما يميز سامي مشاري كفنان هو ولعه برسم الجداريات ولكن ولأنه لم يمنح أي من جدران المدينة كي يرسم عليه قام بتحويل واجهة بيته إلى لوحة تشكيلية كبيرة فرسم على الجداران والممرات والشبابيك والأبواب .

علاقة سامي مشاري بالجدران قديمة حيث يتذكر أهالي السماوة الجداريات التي رسمت على جدران نادي السماوة الرياضي المقابل لمحطة القطار القديمة والتي رسمها فنانو المدينة وقتئذ وهم مظهر هاني وكامل جيجان وعباس حويجي وشاكر رزيج و سامي مشاري.
يقول الفنان إن المواطن كان يهتم في ذلك الوقت بما يرسمه الفنان وكانت العلاقة بين الطرفين إنسانية وهو يتذكر تفاصيلها حيث قال إن الناس كانوا يلازمون الفنانين حتى ساعات متأخرة من الليل ويقدمون لهم الماء والطعام.

غير أن هذه العلاقة أصيب بشرخ عندما صمت الفنان وعندما دمرت الحروب ذائقة الآخر فتركت الساحة للضعفاء من الفنانين ليرسموا بوسترات تعبوية سريعة للترويج لأفكار الحزب الواحد والحروب التي فجرها النظام آنذاك، حسب قول مشاري الذي رأى أن هذا الوضع هو الذي دفع الفنانين الملتزمين إلى التوقف والانزواء بعيداً. ويقول سامي مشاري إن ذلك كلفه أكثر من عشرين عاماً من الصمت ليعود بعد سقوط النظام ليستفيد من الحرية النسبية المتوفرة.

وعلى الرغم من تغيير النظام بقيت الجدران على فوضاها فهي اليوم مساحات لصراعات الأحزاب المتنافسة والشعارات الدينية والانتخابية ولو تجول المرء في شوارع السماوة من أقصاها إلى أقصاها لم يجد جدارية واحدة عكسا لما كانت عليه السماوة في مطلع سبعينات القرن الماضي.

سامي مشاري يعتبر ممارسة العمل الفني واجبا وطنيا لأنه يؤرخ لمرحلة تاريخية مهمة ويؤكد أن بيته الملئ بالأعمال الفنية يمثل توثيقا مهما لهذه المرحلة كما قال إنه ه راض عن العدد القليل من المثقفين الذين يزورونه للبيت لمشاهدة أعماله وأنه لم يفقد ثقته بالمستقبل)).

كفيف يؤلف كتبا ويعزف ويتكلم خمس لغات

في دهوك نتعرف على آزاد عبد الرحمن وهو ضرير تفوق في صغره في الدراسة ثم كبر والفا كتبا واتقن عدة لغات ثم تعلم العزف على آلات موسيقية منها الكمان.
آزاد عبد الرحمن

يقول الرجل إن شعاره هو: "أتحدى إذن أنا موجود" عبد الخالق سلطان يروي قصته:

((كنت أتوقع أن ألاقي صعوبة في الوصول إلى منزله ،لكنه بوصفه الدقيق للدروب والشوارع والدكاكين والدور التي تقع بجوار بيتهم وحتى لون باب منزلهم الخارجي مكنني من الوصول بسرعة، فإذا بي أتفاجأ بوقوفه منفردا أمام باب منزله بانتظار وصولي.

وبعد ترحيب سريع أمام المنزل قادني بخطواته الجريئة وتجاوز بي الباب الداخلي لمنزله نصف الشرقي ثم قادني إلى سطح المنزل عن طريق السلالم المتعرجة مستعينا بالجدار مرة وبعدد الخطوات مرة أخرى إلى أن دخلنا غرفته الخاصة في سطح المنزل، وقادني إلى الكرسي حيث أجلس.

قد يتملككم العجب مثلي حينما تعرفون أن الذي كان يقودني إنسان كفيف ! وتقولون متسائلين في سرائركم كيف لإنسان ضرير أن يعرف طريقه بهذه الدقة المتناهية ؟ لكن عندما تتعرفون عليه سيزول العجب.

انه آزاد عبد الرحمن المولود في العام 1961 وقد فقد نعمة البصر منذ أن كان في التاسعة من عمره نتيجة إصابته بمرض هيموفيليا الدم الذي يعاني المصاب به بالنزيف المفاجئ والذي انتقل إليه من والدته التي كانت تحمل فيروس المرض بحسب ما قاله لنا آزاد.

آزاد بين انه رغم إصابته بالعمى الكلي إلا انه أصر على إكمال دراسته التي بدأها في معهد المكفوفين في بغداد في ثمانينيات القرن الماضي واستطاع بإصرار وصمود أن يكمل دراسته في ثانوية دهوك للبنات عندما انتقلوا للسكن في محافظة دهوك. وكان سبب ذهابه إلى مدرسة البنات هو كونها الأقرب إلى منزلهم.

واستطاع آزاد أن يحرز المركز الأول على مستوى محافظات إقليم كردستان في الصف السادس الإعدادي وكان ترتيبه الثاني على مستوى العراق .
رغم العوق الذي أصيب به آزاد أصر على ممارسة هواياته ولعل ابرز هذه الهوايات مطالعته للكتب وقيامه بعد ذلك بتأليف خمسة كتب هي مجموعة قصص قصيرة باللغة العربية بعنوان (شيركو العائد من الموت) ومجموعة أخرى باللغة الكردية بعنوان (تابلو) و ديوانان من الشعر وكتاب آخر عبارة عن مجموعة خواطر .

الهواية الأخرى التي برع فيها هي الموسيقى فهو عازف جيد لآلة الكمان والأورغ وهو يعزف ألحانا عربية وكردية وتركية.

وذكر آزاد انه يحب التكلم والتحدث بلغات أجنبية وهو ما دفعه إلى تعلم خمس لغات هي الانكليزية والألمانية والفرنسية والعربية إضافة إلى لغته الأم الكردية .

ازاد تلمس آلة التسجيل التي كنت أسجل الحديث بها معه وسألني عن مميزاتها و التقنيات التي تمتاز بها فانبهر بها لكنه تأسف في الوقت ذاته لأن المكفوفين في العراق بشكل عام يحتاجون إلى أجهزة حديثة ومتطورة وخاصة أجهزة التسجيل كي يستفيدوا منها لتسجيل المحاضرات التي يدرسونها في المدارس والكليات ولا يجدونها بينما يحتاجون إليها إلى حد بعيد.

وقال آزاد إن إصابته بالعمى لم توقف حياته فقد تزوج منذ أكثر من عشر سنوات ولديه ثلاثة أطفال وهو الآن طالب يدرس في المرحلة الرابعة من كلية القانون في جامعة دهوك ويطمح إلى إكمال مشواره العلمي والحصول على شهادة الماجستير والدكتوراه في القانون والسياسة.

وفي ختام حديثه طالب آزاد الذي يسكن في بيت والده ويستلم مبلغ 250 ألف دينار فقط في الشهر، طالب الجهات المعنية في الحكومة العراقية والسلطات في إقليم كردستان بالاهتمام بشكل أفضل بشريحة المكفوفين وتوفير المستلزمات الحديثة لدراساتهم .
آزاد أنموذج من الذين تحدوا مصيرهم ولم يستسلموا لقدرهم وهو أنموذج يبعث في النفس التفاؤل والأمل.
وقديما قال احد الحكماء "إن درجة رقي الأمم تقاس بطريقة تعاملها مع الأشخاص الأقل حظا من أبنائها" )).

التفاصيل في الملف الصوتي:

فنان افتقد الالوان فحول واجهة منزله الى لوحة جدارية
XS
SM
MD
LG