روابط للدخول

مضى اكثر من عشر سنوات عندما دعاني الزميل كامران قرداغي لتقديم سلسلة من الاحاديث الاسبوعية من هذه الاذاعة، اذاعة العراق الحر، بعد توجهها للشعب العراقي في محنته من نظام صدام حسين. كانت لي صداقة مديدة مع اخي كامران فرحبت بدعوته، وبأداء ما يمكنني اداؤه في مقارعة ذلك النظام الدكتاتوري.

تباحثنا و تناقشنا في الموضوع فقلت له خير طريق للنيل من ذلك النظام الكريه، هو ان تذكر جمهور المستمعين من الشعب العراقي بحياتهم الطيبة، كما عرفوها قبل الوقوع في حبائل ذلك النظام. وكيف كانت الدولة تحترم حقوق المواطنين، والقضاء يمارس عمله بتمام الاستقلال، والناس يعيشون احرارا ضمن ما تسمح به احوال البلد الناشىء.

استحسن الزميل اقتراحي فقال والآن ماذا نسمي هذه السلسلة. قلت له اقترح ان نسميها "أيام الخير". أحسن تسمية ـ قال. وشمرنا عن سواعدنا فكتبت بضع حلقات منها وأنا أتصور أنها لن تستمر لأكثر من بضعة أشهر، او بضعة أسابيع. لكنني ما ان اذعت غير ثلاث او أربع حلقات منها حتى اكتسبت السلسلة صدى وشعبية كاسحة، فتوالت رسائل الاعجاب والتشجيع، حتى قال البعض أنهم اصبحوا مدمنين عليها. يتطلعون من يوم الى يوم انتظارا لأيام الخير.

كنت اسرد الحكاية والواقعة من تلك الايام، ايام العهد الملكي، ثم أنهي الحلقة بحسرة وآهة طويلة ألما على ضياعها وفواتها: ايـــــه كانت ايام، أيام خير وراحت...راحت ويا كل ذولاك أهل الخير. وما أنتهي من الكلام حتى يدوي صوت يوسف عمر بصوته الحنين: "ما بالكم يا سادتي لو تعيدون ليالينا القدامى...وتعود الدموع فتحتقن في أعين المستمعين.

قال لي بعض أصحابي انهم كانوا لا يتمالكون أنفسهم من البكاء عندما ينتهي الحدث بتلك الكلمات، التي تذكرهم بأحلى ما ذاقوه وعرفوه في حياتهم.

كنت أتصور ان تلك السلسلة ستحظى بتقدير وإقبال العراقيين فقط.، فهي تتعلق بحياتهم وتاريخه أولا وآخرا. ولكنني دهشت عندما اكتشفت ان المستمعين العرب الآخرين قد وجدوا انفسهم مُنشدّين اليها كذلك، وينتظرونها بشوق وأقبال، وهذه ظاهرة جديرة بالملاحظة، وهي ان كل الشعوب العربية أخذت تنظر الى الوراء، الى أيام أكثر إشراقا و أملا.
وأمام هذا الاقبال على الاستماع لهذه السلسلة، لم يعد بإمكان اذاعة العراق الحر غير ان تستمر في بثها عاما بعد عام. وفي لندن أصدرت كاسيت وزع في دور المكتبات باسم "أيام الخير، وضم منتخبات من الاحاديث التي القيتها.

وأخيراً سقط صدام حسين من الحكم، وتحقق بذلك الغرض الذي نشدناه من وراء هذه السلسلة، وهو تحرر الشعب العراقي من كابوس الدكتاتورية البغيض، لكن أيام الخير لم تسقط ولم تنته فاستمرت كل هذه السنين وإن أخذت لونا جديدا أقرب الى البهجة والانشراح.

ومرت الأيام والأعوام وخرجنا من مرحلة الى مرحلة وأطل أخيراً علينا وعلى العالم العربي الربيع العربي، ربيع الشباب، الذين أخذوا على عواتقهم إعادة سبك وبناء أوطانهم. وبهم دارت عجلة التاريخ دورتها. ولكل دورة أيامها، أيام خير وأيام عذاب، ولكن العجلة تدور وتظل تدور وتفرض التغيير، بدلا من النظر الى الوراء كما كنت أفعل في هذه السلسلة، آن لإذاعة العراق الحر أن تتطلع لأيام خير جديدة تنظر الى الامام، وبها آن لهذا القبطان، خادمكم القديم، أن يسلم الراية، راية الخير والحرية لمن هو أجدر وأقرب لمتطلبات المرحلة الجديدة، مرحلة إعادة بناء العراق في ظل الحرية والديمقراطية الفتية.

لقد استمتعت خير متعة بتقديم هذه السلسلة عبر كل هذه السنوات الطويلة، وأعطتني الكثير من الرضا والاقتناع بتأدية رسالة للشعب، الذي خرجت منه ولما أخرج، وإبتعدت عنه ولمّا أبتعد. وإذ اقدم بهذه الحلقة خاتمة لهذه السلسلة الطويلة، أرجو لكل من إستمع وإستمتع بها، أو إستمع وإستهجن ما قلت فيها، أرجو لهم جميعا حياة مليئة بأيام خير وسعادة. وعليكم مني أفضل سلام وتحية.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي:
XS
SM
MD
LG