روابط للدخول

بسبب مناخه الدافىء شتاء وتنوع طبيعته، أصبح العراق ملاذا لشتى انواع الطيور المهاجرة، التي تفد من المناطق القارسة البرد شمالا، كبلاد القفقاس. ومن أروع هذه الطيور المهاجرة اللقالق. ولها حكايات فولكلورية طريفة وعديدة.

اللقلق من أعرق أنواع الطيور المهاجرة، التي عرفها العراقيون منذ أقدم العصور، وحتى هذه الكلمة اللقلق هي من مشتقات الاسم السومري لهذا الحيوان، الذي كان يعرف عند السومريين باسم لقلاقو. والمألوف في حياة اللقالق في العراق أنها كانت تقيم أعشاشها على رؤوس المنائر وقبب الكنائس. فهي طيور لا تمارس الطائفية ولا تميز بين المسلم والمسيحي. بيد أن زوجا منها لم يكلف نفسه بالبحث عن جامع او كنيسة فبنى عشه على شجرة توت (تكي) قرب مدينة عقرة في كردستان العراق.

روت لي حكاية هذين الزوجين من اللقالق الزميلة أولغا جويدة رحمها الله عندما كنا زملاء في القسم العربي من الـ(بي بي سي).

المعروف في الطيور انها تخلص في حبها لا الذكر يخون الانثى ولا الانثى تخون الذكر. وكذا عرفنا عن معشر اللقالق. بيد انها تخرج أحيانا عن طورها هذا فتسلك سلوك بني آدم في الخيانة. كان منها هذه الحكاية الغريبة التي روتها لي الزميلة أولغا. شهدت أحداثها في قضاء عقرة عندما كان والدها قائمقاما فيها.

كانت أمامهم شجرة توت وافرة، بنى هذان الزوجان من اللقالق عشهما فيها. وإعتادت الطفلة أولغا على حمل الطعام لهما، كل ما زاد من بقايا الرز والباميا ونحوها مما يأكله العراقيون، تضعه تحت الشجرة فتنزل اللقلقة الأنثى وتأكل ثم يتبعها الذكر ويأكل مما تبقى.

قالت أولغا: أدركت أول مرة أن الطيور تتميز على البشر في منطقتنا في تقديم الانثى على الذكر.
قلت لها هل تعلمين السر؟
قالت لا.
قلت لها لأن اللقالق لم تترب عندنا. انها ولدت ونشأت في بلاد القفقاس وتعلمت على مكارم الفروسية هناك.

مضت الزميلة في حكايتها فقالت: مرت أيام ولاحظت غياب اللقلقة الانثى عن الشجرة. أصبح اللقلق يقوم بكل حضانة البيض بنفسه وبدون أنثى تتناوب وإياه في أداء الواجب. ينزل من الشجرة ويلتهم كل ما تركته له أولغا ويعود مسرعا الى العش قبل أن يبرد البيض. لاح لها وقد بدا الحزن والاكتئاب عليه واخذ يفتقد شريكة حياته وشهيته للطعام أيضا.

تحير القوم في أمر الأنثى. ما الذي حصل لها؟ هل قتلها أحد، مما هو شائع في البلاد، طمعا بريشها؟ تطوع الناس لجلب الأكل لهذا الفحل من أمة اللقالق في محنته الفريدة. مرت أيام وإذا بأولغا تشهد من نافذة غرفتها طيرا صغيرا أبيض يلوح من وراء الأفق. اقترب شيئا فشيئا واذا به تلك الانثى القديمة تعود الى الشجرة. ولكنها دخلت فورا في معركة ضارية مع زوجها اللقلق تحاول أن تطرده من بيتها. وتعالى صياحهما بحيث جعل جمهور القرية يتركون أعمالهم ويخفون لمشاهدة هذه المعركة اللقلقية بين أنثى وذكر. زوج وزوجة. ولكن اللقلق الفحل قاتل بجلادة واستطاع أن يحمي عشه ويطردها من الشجرة. وعادت من حيث جاءت.

مرت أيام ثم رأت الطفلة أولغا، زميلتي سربا من اللقالق يتقدم من بعيد حتى إذا اقترب من الشجرة انبرت الأنثى القديمة من بينها لتقود هجوما شنيعا على زوجها، الذي قاتل ببسالة دفاعا عن عشه وفراخه. ولكن العدد تغلب على العدة. سقط اللقلق ميتا والدم القاني يضمخ ريشه الابيض، وتبعته أفراخه موتى واحدا بعد الآخر واستولت الانثى على العش مع عشيقها الجديد.

حضر العقراويون بفؤوسهم وحفروا قبرا مناسبا للقلق الشهيد، وتلى قس من الكنيسة الكلدانية صلاة على روحه وارواح فراخه قبل دفنهم، ثم هجموا على الزوجة الخائنة وهجروها وهدموا العش القديم.

قصة عجيبة، لو روتها لي أولغا في هذه الأيام لما صدقتها .ولكنني سمعتها منها في أيام غابرة، أيام من أيام الخير، عندما كان الناس في العراق لم يتعلموا على الكذب، الذي أخذ يشيع بينهم في هذه الأيام مع الأسف.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي:
XS
SM
MD
LG