روابط للدخول

تعتبر حرية المرأة ومساواتها من أساسيات حقوق الانسان وتقرير المصير. ولكنها كثيرا ما تصطدم مع التقاليد والاعراف المحلية، بما أدى الى مشاكل ومعارك لحسم أوجه التناقض والتوفيق بين القديم والحديث.

ما من أيام تعتز بها البشرية كأيام خير كتلك التي يخوض فيها الانسان معارك الحرية، و حقوق الانسان وينتصر فيها. وفي تاريخنا المعاصر كانت من اروع هذه الايام تلك التي سعت فيها المرأة العراقية للحصول على حقوقها في تقرير مصيرها، واختيار نمط الحياة التي تريدها، والهيئة التي تظهر فيها، والاعمال التي تريد ممارستها.

شهد العراق أياما خالدة خاضتها أخواتنا وأمهاتنا في اربعينات وخمسينات (القرن العشرين) من اجل السفور ونزع العباءة والفوطة، وفي هذه الايام يجري التسابق في البلاد العربية من اجل الحجاب، ولكن التسابق في عراق الاربعينات والخمسينات كان منصبّا على نزع العباءة والحجاب.

عرفت شيئا من ذلك في الأعظمية، المنطقة التي كنت أعيش فيها قريبا من جامع الامام ابي حنيفة. وكان ذلك عندما قامت طالبات ومعلمات ثانوية الأعظمية للبنات بحملة اجتماعية لإقناع الفتيات بنزع العباءة والحجاب والبرقع، أو ما كان يعرف بـالبوشية.

وكلما استطعن اقناع إحداهن بذلك وتحديد يوم تنزع فيه العباءة والحجاب وتدخل المدرسة سافرة اجتمعن في مدخل المدرسة انتظارا لها. كانت احيانا تجبن الفتاة أو تستسلم لضغط والديها فتخيب زميلاتها وتستمر وتحضر كما كانت تحضر كل يوم بالعباءة. فيسخرن منها ويعيرنها على جبنها، ولكن من تنجح في عملية التحدي والتحرر وتجتاز باب المدرسة سافرة، كانت تقابل بعاصفة من التصفيق والتشجيع: مبروك سميرة، وتعيشين مديحة، وأحسنت يا فاطمة وهكذا. يقبلن اليها ويعانقنها ويغمرنها بالبوس.

تروي الزميلة والفنانة نزيهة رشيد الحارثي كيف أنهن في تلك الايام وبسبب الضغوط العائلية، التي وصلت احيانا حد الضرب، كن يخرجن من البيت متسترات بالعباءة والحجاب حتى إذا ابتعدن عن البيت لمسافة كافية، كن ينزعن العباءة والحجاب ويضعنها في جنطة صغيرة تحمل لهذا الغرض. ويمشين سافرات في الطرق والاسواق والمحلات العامة ثم يعدن ويخرجن العباءة من الجنطة ويلبسنها قبيل وصولهن للبيت. وكان الشباب يعرفون الجنط وما فيها عندما يرون فتاة سافرة تحملها. وكانوا أحيانا يعاكسون البنت ويتحدونها أن تفتح الجنطة وتكشف عما فيها. وكانوا يصرخون بها "شوفينا عباتج"!
كان الأمر سهلا بالنسبة للتلميذات الصبيات، لكنه لم يكن بهذه السهولة بالنسبة للمعلمالت. كيف يجوز للتلميذة الصغيرة ان تطالب معلمتها بنزع عباءتها وفوطتها؟ المفروص ان المعلمة هي التي تعلم الطالبات وليس الطالبات يعلمن المعلمة.

حدث هذا المأزق بالنسبة لمعلمة اللغة العربية والادب العربي الاستاذة عاتكة وهبي الخزرجي: الشاعرة والاديبة المعروفة، التي كانت من عداد المحجبات، وتحضر للمدرسة بالعباءة. واجهت الضغط الكبير من زميلاتها، لاسيما انها كانت في غير ذلك معروفة كأديبة متحررة تتجاوب مع متطلبات العصر الحديث وتدعو لتحرر المرأة.

ظل الجميع يتساءلون، متى تنفض عاتكة وهبي الخزرجي العباءة من رأسها وتخرج سافرة، ولكن السؤال لم يدم طويلا. ففي يوم مشهود من تاريخ مدرسة ثانوية الأعظمية للبنات، شاع الخبر في سائر صفوف وغرف الادارة والمعلمات بأن الاستاذة عاتكة قررت أخيرا نزع العباءة والمجيء سافرة للمدرسة.

وتروي إحدى طالباتها فتقول انه كان يوما مشهودا عندما تزاحمت الطالبات في باب المدرسة وممراتها وساحاتها صباح ذلك اليوم انتظارا لوصول عاتكة وهبي الخزرجي سافرة بفستان عصري جميل يعرض قوامها الرشيق وقامتها الطويلة والفرعاء.

فتح الفراش أبو حسين الباب الخارجية لها. فمسكت الطالبات انفاسهن، إذ لاحت امامهن معلمتهن الفاضلة، ليست سافرة فقط، بل وضعت على رأسها بدلا من العباءة قبعة عصرية جميلة. همست الطالبات لبعضهن البعض أمام هذا المشهد، "يا ويلي!". وكان آخر عهد لهذه الاديبة الفاضلة بالحجاب. فأسفرت مع كل من أسفرن من نساء ذلك العهد، في تلك الأيام من أيام شيوع السفور في العراق.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي:
XS
SM
MD
LG