روابط للدخول

"بسبب تحريم الفائض على المسلمين والنصارى ترك موضوع القروض والتسليف على اليهود في العراق كما في اوروبا. ووردت عن ذلك حكايات طريفة".

عسى ان تكرهوه شيئا وهو خير لكم. كلمات خالدة انطبقت بصورة خاصة على اليهود بعد ان اخذ المسلمون و المسيحيون يتحاشون التعامل بالربى و اعتبروه كفرا و شرا يتشائمون منه. تركوا هذه المهنة الحقيرة في القرون الوسطى لليهود الذين كانوا يحتقرونهم على اي حال. وهو ما ادى في الواقع الى تعاظم اثر الطائفة الموسوية و ارتقاء شأنها بعد الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر في اوربا، حين اخذ ارباب الصناعة و التجارة يحتاجون الى القروض لتمشية اعمالهم، بل و في خوض حروبهم الدامية ايضا. بيد ان اليهود ارتكبوا في اوربا غلطة كبيرة في مد الارستقراطية بالمال و بالتالي دعمها و مساعدتها ضد الطبقة الرأسمالية في ذلك الصراع الرهيب الذي اشغل اوربا منذ القرون الوسطى ، و ادى الى تفاقم العداء ضد اليهود بما يعرف بحركة اللاسامية.

ولكن العراق والعالم الاسلامي في ظل الامبراطورية العثمانية لم يعرف شيئا من ذلك و تقبل الجمهور ، ولا سيما المزارعون ، دور ابناء الطائفة الموسوية في تسليفهم ما يحتاجون اليه من مال انتظارا لموسم الحصاد و جني التمر صيفا و البرتقال شتاء ، حين اعتادوا على تسديد ما اقترضوه. و كذا اعتاد التجار على الاقتراض ريثما تصلهم البضاعة من اوربا و يبيعونها في الاسواق. و كان في كل المدن العراقية الرئيسية الصراف اليهودي الذي يجلس في زاوية من السوق و يطقطق بالليرات و كأنها مسبحة بيده ، و يصرف العملات للناس و بعين الوقت يقرض من يحتاج الى قرض. و كانت هناك ثقة متبادلة ، فقلما امتنع شخص عن تسديد ما اقترضه من الصراف مثلما اعتاد الصراف على المسامحة معهم حين يصيبهم العسر و يدهمهم موسم سيء فيؤجل لهم ديونهم الى الموسم التالي. كانت ايام خير و الثقة و المحبة تحكم كل الناس و تسود كل العلاقات بين اليهود و النصارى و المسلمين و سائر الطوائف.

ولكن هذا لا يعني ان الجميع كانوا يحترمون التزاماتهم. لابد ان يكون في كل ميدان ما يسميه الانكليز بالخروف الاسود ، الانسان المتمرد على التقاليد. كان من هؤلاء السيد طالب النقيب في مدينة البصرة. اشتهر بالبذخ و الاسراف في الكرم بما اضطره غالبا على الاستدانة من الصراف اليهودي في السوق، بل و حتى من اصحابه التجار اليهود. وفي كثير من الاحيان كان عاجزا عن تسديد ديونه لهم.

ولهذا اضطر الصراف على ربطه بكمبيالة ليحاسبه عليها في موسم جني التمر و يقاضيه في المحاكم اذا اقتضى الأمر. و كان المبلغ كبيرا فلم يستطع طالب النقيب ان يسدده له فراح يماطل و يؤجل . يعده ولا يلبي الطلب. اخيرا لم يملك الصراف اليهودي غير ان يهدده بتسليم الكمبيالة الى محام ليرفع دعوى ضده في المحكمة. اجابه قائلا. لا تخاف تعال و جيب الكمبيالة لأسددها لك. فجاءه الصراف بالكمبيالة و زاره في مكتبه ينتظر تسديدها. قال له اين هي هذه الكمبيالة ، شوفني اياها. فأخرجها له. فقال له السيد نقيب البصرة . يا الله حطها بحلقك و خليني اشوفك تمضغها زين. و بعدين ابلعها قدامي. و الله ما اخليك تطلع من هنا الى ما تبلع كمبيالتك هذي اللي جايبني تهددني بيها.

لم يبق للصراف غير ان يفعل ما امره به المدين . وضع الكمبيالة في فمه و علجها و مضغها زين و بلعها بصعوبة كبيرة ، بقى يغصغص بيها الى ان نزلها لمعدته. و خرج . و لكن نقيب البصرة السيد طالب المحترم عاد و غرق بالديون و احتاج الى فلوس الصراف فنادى عليه ليسعفه بمبلغ جديد . استدعاه الى مكتبه مرة ثانية و وعده بأن يكتب له كمبيالة جديدة و يوقع له عليها ليسددها له حالما تستحق. مد الصراف اليهودي يده في جيبه و اخرج قطعة ملفوفة من قمر الدين و قال له :
" طالب جلبي، الله يخليك هالمرة اكتب لي الكمبيالة على صفحة قمر الدين حتى اقدر آكلها وابلعها بسهولة وما اخربط معدتي ومصاريني."
فضحك الحاضرون واستأنسوا بمقال اليهودي . وكانت ايام خير، بخيرها وبمساوئها.

التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG