روابط للدخول

العالم أمام خيارات متعددة في التعامل مع القذافي


القذافي يدلي بحديث للتلفزيون التركي

القذافي يدلي بحديث للتلفزيون التركي

ما هي الخيارات المتاحة أمام دول العالم لاحتواء النزاع المتصاعد في ليبيا، وما هو مدى استعداد المجتمع الدولي لتخطي الحوار في اتجاه اتخاذ خطوات عملية؟ مراسل إذاعة أوروبا الحرة / إذاعة الحرية تشارلز ريكنيغل يجيب على هذه التساؤلات في التقرير التالي:

ما زال بعض قادة الدول حول العالم يطلقون التحذيرات في اتجاه معمر القذافي، إلا أن الزعيم الليبي يبدو لحد الآن وهو يشعر بالأمان ويتجاهل هؤلاء القادة – حتى في أعقاب سقوط ما لا يقل عن ألف قتيل مدني في المواجهات مع قوات الأمن.
فمنذ أن اندلعت الاضطرابات في ليبيا في أواسط شباط المنصرم أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بإحالة مسألة قمع القذافي إلى محكمة الجنايات الدولية بمدينة (لاهاي) للنظر في احتمال مقاضاته لارتكابه جريمة بحق البشرية.
كما فرضت كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على ليبيا، بدءأ بحضر مبيعات السلاح إلى ليبيا ومرورا بفرض حضر على سفر القياديين الليبيين إلى الخارج، وبتجميد أرصدة القذافي وأفراد عائلته في الخارج. غير أن القذافي لا يبدو في الوقت نفسه إلا وكأنه يستعد لالتقاط أنفاسه استعدادا للحرب الأهلية التي تلوح في الأفق في بلاده.
فبعد أسبوع من التراجع، شنت القوات الموالية للقذافي هجمات مضادة على عدد من المدن التي يسيطر عليها الثوار – بما في ذلك الغارات الجوية التي استهدفت اليوم ميناء (رأس لانوف) النفطي – في أعقاب صدها لهجوم شنته قوات المتمردين على طول الساحل الشمالي.
وتزيد هذه الهجمات المضادة من احتمالات إقحام ليبيا لمدة أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات من معارك الكر والفر الاستنزافية بين قوات القذافي والمتمردين.
لذا فليس من المستغرب أن الرئيس الأميركي بارك أوباما عاد مرة أخرى إلى إصدار تحذير قوي لأعوان القذافي بأن يضعوا حدا لأعمال العنف، قائلاً:
"أريد توجيه رسالة بالغة الوضوح إلى من يقف حول العقيد القذافي، مفادها أن الخيار خيراهم فيما يتعلق بسبل مضيهم إلى الأمام، وبأنهم سيتعرضون إلى المحاسبة عما سيحدث في أي استمرار لأعمال العنف هناك (في بلادهم)".

غير أنه بات واضحا أيضا – حتى مع صدور تحذيرات أوباما الأخيرة – أن هناك تساؤلات حول المتاح أمام زعماء العالم لمنع القذافي من تصعيد معركته للبقاء في السلطة.
ومن بين الخيارات المطروحة خلال الأسابيع الأخيرة خيار فرض منع الطيران في الأجواء الليبية، وهو الخيار الذي عززت منظمة المؤتمر الإسلامي التأييد له اليوم، والذي أيدته أيضا كل من فرنسا وبريطانيا ومجلس التعاون الخليجي. إلا أن هذا الخيار ما زالت تعترضه المشاكل، ما أبقاه لحد الآن يراوح في مراحل التباحث في شأنه، كما أوضح السفير الأميركي لدى منظمة حلف شمال الأطلسي إيفة دالدر في حديث هاتفي مع الصحافيين في بروكسل يوم الاثنين، قائلاً:
"الخيارات التي نتدارسها تدور حول مختلف الوسائل التي يمكن استخدامها لفرض منع الطيران، إلا أن التفاصيل ليست في المتناول بعد. وهذا ما حال دون تعمق حلف الناتو في التباحث حول المتطلبات، وطبيعة اإمكانيات المطلوبة، وما هو المطلوب تحقيقه من فرض منطقة الحضر الجوي".

وتابع السفير الأميركي قائلا إنه من شبه المؤكد أن (الناتو) لن يتحرك بمعزل عن قيام مجلس الأمن بإصدار قرار بفرض الحضر الجوي، وهي خطوة يقول الخبراء إن روسيا والصين ستعارضانها بشكل شبه مؤكد، فلقد أشارت كل من الدولتين إلى أنها تعارض أي تدخل عسكري ضد ليبيا إلى حين بلوغ مستوى العنف ضد المدنيين مستوى لم تحدد أي منهما حجمه.
ومن المقرر أن يواصل التحالف الأطلسي التباحث حول منطقة الحضر الجوي في اجتماع لوزراء دفاع أعضائه يوم الخميس (العاشر من آذار الجاري).

ربما تتمثل المشكلة الأكثر إثاة للتعقيدات المحيطة بفرض منطقة حضر الطيران في كونها تتطلب أولا قيام من يوافق على فرضها بإعلان الحرب على ليبيا، وذلك – كما أوضح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس الأسبوع الماضي – لكون فرض حضر جوي يتطلب أولا تدمير الدفاعات الجوية للبلد المستهدف.
كما هناك مشكلات أخرى أيضا، منها أن حلف شمال الأطلسي – وهو المنفذ المرجح لتنفيذ الحضر – منشغل أساساً في القتال في أفغانستان، كما لم تزل أكبر قوة فيه – أي الولايات المتحدة – منشغلة بالتزاماتها العميقة في العراق.

مشكلة أخرى – في غياب موافقة مجلس الأمن على فرض الحضر – تتمثل في احتما اعتبار تحرك حلف الناتو بمثابة قيام الولايات المتحدة وحلفائها بالتدخل بشكل منفرد في شئون دولة إسلامية أخرى. فقد أعربت تركيا – وهي عضو مهم في التحالف، كما إنها الدولة المسلمة الوحيدة فيه –أعربت فعلا عن معارضتها القوية للفكرة.
كما يدور القلق حول الخيار العسكري الرئيسي الآخر إزاء ليبيا، وهو إرسال الأسلحة إلى المتمردين الذين يسيطرون على المدينة الثانية في ليبيا والواقعة في شرق البلاد. غير أن تجهيزاتهم العسكرية تقل بكثير عما تتمتع به قوات القذافي الأمنية المزودة بالأسلحة الثقيلة. كما يبدو لحد الآن أن الثوار تمكنوا من الانتصار في المناوشات لكون روحهم القتالية عالية جدا بالمقارنة مع ضعف هذه الروح لدى قوات القذافي التي يشكل المرتزقة الأجانب نسبة كبيرة منها.

كما إن مسألة تزويد الثوار بالسلاح تزداد تعقيدا نتيجة انعدام اليقين حول الجهة التي سيزودها الغرب بالسلاح، فكما أكد العديد من المسئولين الغربيين في تعليقات خاصة لوسائل الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية، يكاد لا يعرف أي شيء عن قادة الثوار أو عن مدى مدى تمتع أي واحد منهم بالنفوذ أو السيطرة.

وتنسب "هوفينغتون بوست" الأميركية في موقعها على الإنترنت يوم الاثنين إلى أحد المسئولين بوزارة الدفاع قوله في حديث خاص إن "النظر إلى جانب الثوار يتطلب منك التأكد من أن الوضع القادم سيكون – وإن كان بدرجة ضئيلة – أفضل مما سيطيحونه. ولكني لست على يقين من أننا نعرف ذلك بعد".
ومع انهماك القوى الغربية في تدارس مثل هذه القضايا، يبدو أن الأمر الوحيد الذي توصلوا إلى اتفاق حوله يتمثل في الحاجة إلى إرسال المساعدات الإنسانية، الأمر الذي شدد عليه الرئيس أوباما لدى تأكيده على رغبة واشنطن في إيصال رسالة واضحة إلى الشعب الليبي مفادها أن بلاده "ستقف إلى جانبه في وجه العنف الذي لا يمكن تبريره":

"لقد تولينا موقع الصدارة في العديد من الجهود الإنسانية، وقد أوعزت لتوّي بتوفير مبلغ 15 مليون دولار لمنظمات الإغاثة المتواجدة فعلا على الأرض هناك، كما نقوم بالتسيق أيضا مع الأمم المتحدة – التي لديها عدد من منتسبيها على الأرض هناك – بغية التأكد من أن الناس يتسلمون المساعدات التي يحتاجونها".

السفير الأميركي لدى حلف (الناتو) بدا هو الآخر ينوه بأن المساعدات الإنسانية تبدو حاليا أهم ما هو متاح، فكا قال يوم الاثنين : (إن التركيز الحقيقي الآن يتمثل في تحديد ما يمكن للناتو أن ينفرد به، أي ما هي الإمكانيات المتوفرة لدى الحلف التي تنفرد في فائدتها لدعم الجهود الدولية الخاصة بالإغاثة الإنسانية.

أما بالاختصار، فإن جميع الخيارات مطروحة على مائدة البحث في الأزمة الليبية، ولكن الخيارات التي تبدو واشنطن مؤيدة لها لحد الآن هي الخيارات غير العسكرية.
XS
SM
MD
LG