روابط للدخول

إحتجاجات مصر.. حركة محلية أم صوت للشارع العربي؟


محتجون مصريون في ميدان التحرير بالقاهرة

محتجون مصريون في ميدان التحرير بالقاهرة

الاحتجاجات المستمرة التي باتت تهز المؤسسة السياسية في مصر – والمشابهة لتلك التي أطاحت أخيرا بالحكومة في تونس – تتزامن مع موجة من التحركت المشابهة الممتدة عبر منطقة الشرق الأوسط. ولكن، ومع تعرض القاهرة يوم الجمعة إلى أشد المظاهرات، فهل يمكن اعتبار الحركة الشعبية في مصر نموذجا لاستياء أوسع للتعبير عن مشاعر أكثر شمولا في (الشارع العربي)، أم إن أهميتها لا تتجاوز كونها محلية بالدرجة الأولى؟
مراسل إذاعة أوروبا الحرة روبرت تيت يبحث عن الإجابة في التقرير التالي:

منذ سنين والشارع العربي يحتل موقعا أسطوريا في القاموس السياسي المعاصر – فهو مكان غير محدد رغم الانطباع السائد بأنه يحتضن الأفكار الراديكالية الخطيرة. إلا أن الوضع الأسطوري لعبارة (الشارع العربي) قد تفجرت أخيرا في مصر لتصبح حقيقة ةاقعة مع نزول المتظاهرين إلى الشوارع للتعبير عن مشاعر غضب وإحباط ظلت دفينة منذ أمد طويل.

ففي القاهرة العاصمة وامتدادا من الإسكندرية المطلة على البحر المتوسط إلى العريش في شبه جزيرة سيناء تخلى المحتجون عن الإحساس بالخوف والاضطهاد ليتعرضوا إلى قنابل الغازات المسيلة للدموع ومدافع المياه والهجمات بالهراوات من قبل قوات شرطة مكافحة الشغب المدججة باسلاح، فيما يعتبر تعبيرا عن التحدي يهدد بإطاحة حكم الرئيس حسني مبارك المتمسك بمقليد السلطة منذ قرابة ثلاثين عاما.

الاحتجاجات جاءت مباشرة في أعقاب المظاهرات الضخمة في شوارع تونس القريبة، والتي أسفرت عن سقوط حكومة الرئيس زين العابدين بن علي وعن اندلاع ما تسمى (ثورة الياسمين). كما تزامنت أحداث مصر مع مشاهد استياء في دول عربية أخرى. فالتقارير تشير إلى أن يوم 28 كانون الثاني الجاري قد شهد اندلاع مظاهرات في الأردن، وذلك بعد يوم واحد من تعرض اليمن إلى احتجاجات هزت البلاد، كما امتد الوضع المضطرب إلى الجزائر، علما بأن حكومات الدول المتأثرة تتلقى الدعم والتأييد من الغرب.

وقد دفعت هذه الأحداث المتزامنة وزير الخارجية المصري السابق (عمرو موسى) إلى القول أمام منتدى دافوس الاقتصادي – (المواطن العربي مصاب بالغضب واليأس، لذا فإن اسم اللعبة يتمثل في الإصلاح).

الدكتورة (مها عزام) – إحدى مديري برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمؤسسة Chatham House في لندن – تعتبر الاحتجاجات في مصر مشابهة لتلك التي تعرضت إليها جاراتها، أي أنها نابعة من حالة الافتقار للحكومات الديمقراطية الخاضعة للمساءلة، وتمضي قائلة:
"لقد شاهدنا ظهورالاحتجاجات في كل من الأردن واليمن والجزائر، وهذا يعني أن تلك التي نشاهدها في مصر ليست محلية، فالذي نشاهده يعتبر أوسع من ذلك بكثير. طبيعة الاستياء متشابهة بشكل عام، فالأمر يتعلق بالغضب إزاء الأوضاع السياسية و الأنظمة التسلطية القائمة منذ أمد طويل فهنالك نداء عام يطالب بالإصلاح السياسي والمساءلة. العديد من هذه الدول تعاني من المشاكل الاقتصادية المتشابهة، متمثلة في نسب البطالة المرتفعة والفسلد المتفشي في المواقع الرفيعة والافتقار العام إلى التنمية ةالتطور في مجمل مكونات الاقتصاد، وفي مجال التعليم. صحيح أن الاحتجاجات التي تشدها مصر تعتبر واسعة النطاق، ولكنني أعتقد أن صداها سيمتد إلى كافة أرجاء المنطقة".

وهكذا تعتبر الدكتورة عزام أن مقولة (الشارع العربي) تنطبق فعلا على الاحتجاجات المندلعة في مصر وفي دول غيرها، وتقول:
"ما نراه اليوم هو (الشارع العربي)، أو ربما جزءا مهما من ذلك (الشارع)، إذ أننا لا نشاهد مظاهرات لتيار سياسي واحد، بل نشاهد عددا من التوجهات السياسية في (الشارع). لذا فإن ما نشاهده أيضا هو توجه للاستمرار في الاحتجاجات السلمية، فالذي يطالب به المحتجون لا يمثل موقفا معاديا للغرب ولا لأميركا. قضيتهم داخلية، وذات صلة بأنظمتهم السياسية، وهو وضع جديد بالغالأهمية، وضع يجعلنا نشاهد الناس في مصر واليمن والأردن وهم يعبرون عن رغبتهم في تحقيق تغيير لأنظمتهم السياسية في الداخل".

أما مستقبل مصر السياسي فيعتبر مهما جدا للمصالح الغربية، فهي من حلفاء الولايات المتحدة، كما إنها قد وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل. والقلق السائد لدى صانعي السياسية في الغرب يتمثل في احتمال سقوط نظام مبارك لتحل محله حكومة إسلامية تنقض اتفاقيات السلم المبرمة مع إسرائيل في 1979، وربما تدخل في تحالف مع إيران التي ظلت لحد الآن عدوا لمصر.

وقد تفاقمت حدة تلك المخاوف مع إعلان جماعة الأخوان المسلمين – وهو تنظيم إسلامي متطرف كان في بادئ الأمر قد تجنب المشاركة في تحرك للطبقة الوسطى العلمانية – عن مشاركتها في الاحتجاجات يوم 28 من الشهر الجاري. أما التنظيمات الأصولية الأخرى – مثل السلفيين والصوفيين – فلقد أعلنت عدم مشاركتها لأسباب يعود بعضها إلى اعتبارات دينية. ومن شأن مشاركة حركة الأخوان أن تعزز الثقل العددي للمظاهرات، كما من شأنها إضافة وجه جديد لا يتبنى بشكل متطرف معاداة الغرب.

وكانت تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية (هيلاري كلنتون) قد أشارت ضمنا إلى مثل هذه الأفكار حين وصفت في وقت سابق من هذا الأسبوع النظام المصري بأنه مستقر وهو (يبحث عن سبل الاستحابة إلى الاحتياحات والاهتمامات المشروعة للشعب المصري) – بحسب تعبيرها..
غير أن تصريحاتها تعرضت إلى انتقادات الزعيم المفترض للمعارضة المصرية (محمد البرادعي) – الحائز على جائزة نوبل للسلام، والمدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية – الذي عبر عما وصفها بصدته إزاء حديث السيدة كلنتون في حديثها مع شبكة CNN الإخبارية. وتساءل البرادعي عما وصفه بثمن الاستثرار، مؤكدا لدى عودته إلى مصر في اليوم الثالث من الاحتجاجات بأن نظام مبارك مقبل على السقوط.. وتابع البرادعي – الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله بحست بعض التقارير – متسائلا: (هل إنه يستند إلى 29 عاما من الأحكام العرفية؟ أم إلى الانتخابات المزيفة؟ ذلك ليس استقرارا، بل إنه البقاء في الوقت الضائع).

وتعتبر الدكتورة مها عزام أن واشنطن لا بد لها من التعبير عن تأييدها للاحتجاجاتضد الأنظمة العربية الموالية افتراضا للولايات المتحدة، والتي تعتبرها (عبءاً على المصالح الأميركية) – بحسب تعبيرها:
"لا بد لنا من النظر إلى هذا التحول باعتباره بالغ الأهمية، وربما يحتاج إلى إعادة القييم في الغرب وفي الولايات المتحدة. المطالبات اليوم تنصب في اتجاه المزيد من الديمقراطية في المنطقة، وهي ليست معادية لأميركا. الفرق سيكون كبيرا لو قامت الآن الولايات المتحدة و حلفائها باخاذ موقف أكثر وضوحا من خلال مناشدتها بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في هذه الدول".

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما – في حديث نقله موقع YouTube – يبدو مقرا بالحاجة إلى تعبير أميركي عن التضامن، حين قال:
"هناك بعض القيم الأساسية يعتبرها الأميركيون عامة وشاملة، وهي حرية التعبير وحرسة الكلام، وتمكين الناس من التواصل الاجتماعي فيما بينهم، وهذا واقع لا يقل في صوابه في العالم العربي عما هو عليه هنا في الولايات المتحدة".
إلا أنه جسد المعضلة التي تواجهها سياسة بلاده الخارجية من خلال مناشدته كلا من الحكومة والمتظاهرين بالمتناع عن العنف، وذلك في موقف يعيد التعبير عن القلق الضمني إزاء تولي حكومة معادية للغرب زمام السلطة من خلال اللجوء إلى العنف، وتابع قائلا:
"ما أتطلع إليه الآن هو ألا يكون العنف السبيل إلى حل هذه المشكلات في مصر. وعلى الحكومة أن تتوخى الحذر من خلال الامتناع عن استخدام العنف، وعلى الناس في الشوارع أن يحرصوا على عم ايتخدام العنف أيضا. أعتقد أنه من المهم جدا أن تتوفر لدى الناس آليات تمكنهم من التعبير عن شكاواهم المشروعة".

وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق (توني بلير) المندوب الحالي إلى منطقة الشرق الأوسط قد حذا حذو أوباما في موقفه المتوازن، حين صرح لهيئة الإذاعة البريطانية بأن مصر وغيرها من الدول العربية لا بد لها من (التطور والتحديث)، ولكن (بأسلوب مستقر ونظامي) كي لا تتمكن الجماعات المتطرفة من ملء الفراغ السياسي. وتابع بلير قائلا: (الأمر لا ينحصر في بلد واحد في المنطقة، وعليك حين تطلق هذا الأسلوب الإصلاحي أن تلتزم الحذر الشديد حيال سبل تحقيق ما تريد وسب تنفيذه، وإلا تعرضت إلى المخاطر أيضا).

كان ذلك يبدو نداءا يدعو إلى توحد المعتدلين في العالم العربي، فما لم تتم السيطرة السريعة على التوترات التي بلغت حد الغليان، لن يكون الاعتدال ما يلاقي الصدى المنشود في الشارع العربي.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG